تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
عائد بمثلها فيمن حاربكم منهم ، فقاتلوهم حتى لا يكون شرك ولا يعبد إلا الله وحده لا شريك له ، فيرتفع البلاء عن عباد الله من الأرض وهو الفتنة ،
وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ
يقول : حتى تكون الطاعة والعبادة كلها لله خالصة دون غيره . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ
يعني : حتى لا يكون شرك . حدثني المثنى ، قال : ثنا عمرو بن عون ، قال أخبرنا هشيم ، عن يونس ، عن الحسن ، في قوله :
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ
قال : الفتنة : الشرك . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ
يقول : قاتلوهم حتى لا يكون شرك ، و
وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ
حتى يقال : لا إله إلا الله ، عليها قاتل النبي صلى الله عليه وسلم ، وإليها دعا . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ
قال : حتى لا يكون شرك . حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا مبارك بن فضالة ، عن الحسن ، في قوله :
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ
قال : حتى لا يكون بلاء . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، قال : قال ابن جريج :
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ
أي لا يفتر مؤمن عن دينه ، ويكون التوحيد لله خالصا ليس فيه شرك ، ويخلع ما دونه من الأنداد . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ
قال : حتى لا يكون كفر ،
وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ
لا يكون مع دينكم كفر . حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد ، قال : ثنا أبي ، قال : ثنا أبان العطار ، قال : ثنا هشام بن عروة ، عن أبيه عروة : أن عبد الملك بن مروان كتب إليه يسأله عن أشياء ، فكتب إليه عروة : سلام عليك فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو أما بعد : فإنك كتبت إلي تسألني عن مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة ، وسأخبرك به ، ولا حول ولا قوة إلا بالله : كان من شأن خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة ، أن الله أعطاه النبوة ، فنعم النبي ونعم السيد ، ونعم العشيرة فجزاه الله خيرا وعرفنا وجهه في الجنة ، وأحيانا على ملته ، وأماتنا عليها ، وبعثنا عليها . وإنه لما دعا قومه لما بعثه الله له من الهدى والنور الذي أنزل عليه ، لم ينفروا منه أول ما دعاهم إليه ، وكانوا يسمعون له حتى ذكر طواغيتهم . وقدم ناس من الطائف من قريش لهم أموال ، أنكر ذلك عليه ناس ، واشتدوا عليه ، وكرهوا ما قال ، وأغروا به من أطاعهم ، فانعطف عنه عامة الناس ، فتركوه ، إلا من حفظه الله منهم وهم قليل . فمكث بذلك ما قدر الله أن يمكث ، ثم ائتمرت رؤوسهم بأن يفتنوا من اتبعه عن دين الله من أبنائهم وإخوانهم وقبائلهم ، فكانت فتنة شديدة الزلزال ، فافتتن من افتتن ، وعصم الله من شاء منهم . فلما فعل ذلك بالمسلمين أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا إلى أرض الحبشة ، وكان بالحبشة ملك صالح يقال له النجاشي لا يظلم أحد بأرضه ، وكان يثنى عليه مع ذلك . وكانت أرض الحبشة متجرا لقريش يتجرون فيها ، ومساكن لتجارتهم يجدون فيها رتاعا من الرزق وأمنا ومتجرا حسنا . فأمرهم بها النبي صلى الله عليه وسلم فذهب إليها عامتهم لما قهروا بمكة ، وخافوا عليهم الفتن ، ومكث هو فلم يبرح ، فمكث ذلك سنوات يشتدون على من أسلم منهم . ثم إنه فشا الإسلام فيها ، ودخل فيه رجال من أشرافهم ومنعتهم ؛ فلما رأوا ذلك استرخوا استرخائة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه ، وكانت الفتنة الأولى هي أخرجت من خرج من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أرض الحبشة مخافة وفرارا مما كانوا فيه من الفتن والزلزال . فلما استرخى عنهم ودخل في الإسلام من دخل منهم ، تحدث بهذا الاسترخاء عنهم ، فبلغ ذلك من كان بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد استرخى عمن كان منهم بمكة وأنهم لا يفتنون ، فرجعوا إلى مكة وكادوا يأمنون بها ، وجعلوا يزدادون ويكثرون . وإنه أسلم من الأنصار بالمدينة ناس كثير ، وفشا بالمدينة
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 162 | محمد بن جرير الطبري