تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ
قال الله :
سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرينَ
. حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، عن عنبسة ، عن ليث ، عن مجاهد ، في قوله :
إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ
الآية ، قال :
سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرينَ
حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ
الآية ، قال : قال ذلك سفهة هذه الأمة وجهلتها ، فعاد الله بعائدته ورحمته على سفهة هذه الأمة وجهلتها . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : ثم ذكر غيرة قريش واستفتاحهم على أنفسهم ، إذ قالوا :
اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ
أي ما جاء به محمد ،
فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ
كما أمطرتها على قوم لوط
أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ
أي ببعض ما عذبت به الأمم قبلنا . واختلف أهل العربية في وجه دخول " هو " في الكلام . فقال بعض البصريين نصب " الحق " ، لأن " هو " والله أعلم حولت زائدة في الكلام صلة توكيد كزيادة " ما " ، ولا تزاد إلا في كل فعل لا يستغني عن خبر ، وليس هو بصفة لهذا ، لأنك لو قلت : " رأيت هذا هو " لم يكن كلاما ، ولا تكون هذه المضمرة من صفة الظاهرة ، ولكنها تكون من صفة المضمرة ، نحو قوله :
وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ
تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً
لأنك تقول : " وجدته هو وإياي " فتكون " هو " صفة . وقد تكون في هذا المعنى أيضا غير صفة ، ولكنها تكون زائدة كما كان في الأول . وقد تجري في جميع هذا مجرى الاسم ، فيرفع ما بعدها إن كان بعدها ظاهرا أو مضمرا في لغة بني تميم ، يقولون في قوله :
إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ
وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ
و
تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً
كما تقول : كانوا آباؤهم الظالمون ، جعلوا هذا المضمر نحو " هو " و " هما " و " أنت " زائدا في هذا المكان . ولم تجعل مواضع الصفة ، لأنه فصل أراد أن يبين به أنه ليس ما بعده صفة لما قبله ، ولم يحتج إلى هذا في الموضع الذي لا يكون له خبر . وكان بعض الكوفيين يقول : لم تدخل " هو " التي هي عماد في الكلام إلا لمعنى صحيح . وقال : كأنه قال : زيد قائم ، فقلت أنت : بل عمرو هو القائم ؛ فهو لمعهود الاسم والألف ، واللام لمعهود الفعل التي هي صلة في الكلام مخالفة لمعنى " هو " ، لأن دخولها وخروجها واحد في الكلام ، وليست كذلك هو ؛ وأما التي تدخل صلة في الكلام ، فتوكيد شبيه بقولهم : " وجدته نفسه " تقول ذلك ، وليست بصفة كالظريف والعاقل . القول في تأويل قوله تعالى :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : تأويله :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ
أي وأنت مقيم بين أظهرهم . قال : وأنزلت هذه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو مقيم بمكة . قال : ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم من بين أظهرهم ، فاستغفر من بها من المسلمين ، فأنزل بعد خروجه عليه حين استغفر أولئك بها :
وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
. قال : ثم خرج أولئك البقية من المسلمين من بينهم ، فعذب الكفار . ذكر من قال ذلك . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن ابن أبزى ، قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ، فأنزل الله :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ
. قال : فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، فأنزل الله :
وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
. قال : فكان أولئك البقية من المسلمين الذين بقوا فيها يستغفرون ، يعني بمكة ؛ فلما خرجوا أنزل الله عليه :
وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ
قال : فأذن الله له في فتح مكة ، فهو العذاب الذي وعدهم . حدثني يعقوب ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا حصين ، عن أبي مالك ، في قوله :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ
يعني النبي .
وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
يعني : من بها من المسلمين .
وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ
يعني مكة ، وفيها الكفار . حدثني المثنى ، قال : ثنا عمرو بن عون ، قال : أخبرنا هشيم ، عن حصين ، عن أبي مالك ، في قول الله :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ
يعني : أهل مكة .