عن ابن عباس ، قوله :
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ
الآية ، هو النبي صلى الله عليه وسلم مكروا به وهو بمكة حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ
إلى آخر الآية ، قال : اجتمعوا فتشاوروا في رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : أقلوا هذا الرجل فقال بعضهم : لا يقتله رجل إلا قتل به قالوا : خذوه فاسجنوه واجعلوا عليه حديدا قالوا :
فلا يدعكم أهل بيته . قالوا : أخرجوه قالوا : إذا يستغوي الناس عليكم . قال : وإبليس معهم في صورة رجل من أهل نجد . واجتمع رأيهم أنه إذا جاء يطوف البيت ويستسلم أن يجتمعوا عليه فيغموه ويقتلوه ، فإنه لا يدري أهله من قتله ، فيرضون بالعقل فيقتله ونستريح ونعقله . فلما أن جاء يطوف بالبيت اجتمعوا عليه ، فغموه . فأتى أبو بكر ، فقيل له ذاك ، فأتى فلم يجد مدخلا ؛ فلما أن لم يجد مدخلا ، قال :
أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ
قال : ثم فرجها الله عنه ؛ فلما أن كان الليل أتاه جبريل عليه السلام فقال : من أصحابك ؟ فقال : فلان وفلان وفلان . فقال : لا نحن أعلم بهم منك يا محمد ، هوناموس ليل قال : وأخذ أولئك من مضاجعهم وهم نيام . فاتى بهم النبي صلى الله عليه وسلم فقدم أحدهم إلى جبريل ، فكحله ، ثم أرسله ، فقال : " ما صورته يا جبريل ؟ " قال : كفيته يا نبي الله . ثم قدم آخر فنقر فوق رأسه . بعصا نقرة ، ثم أرسله فقال : " ما صورته يا جبريل ؟ " فقال : كفيته يا نبي الله . ثم أتي بآخر فنقر في ركبته ، فقال : " ما صورته يا جبريل ؟ " قال : كفيته . ثم أتي بآخر ، فسقاه مذقة ، فقال : " ما صورته يا جبريل ؟ " قال : كفيته يا نبي الله . وأتى بالخامس . فلما غدا من بيته مر بنبال ، فتعلق مشقص بردائه فالتوى ، فقطع الأكحل من رجله . وأما الذي كحلت عيناه فأصبع وقد عمي ؛ وأما الذي سقي مذقة فأصبح وقد استسقى بطنه ؛ وأما الذي نقر فوق رأسه فأخذته النقدة والنقدة : قرحة عظيمة أخذته في رأسه وأما الذي طعن في ركبته ، فأصبح وقد أقعد . فذلك قول الله :
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
. حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قوله :
وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
أي فمكرت لهم بكيدي المتين حتى خلصتك منهم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة ، قوله :
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا
قال : هذه مكية . قال ابن جريج : قال مجاهد : هذه مكية . فتأويل الكلام إذن : واذكر يا محمد نعمتي عندك بمكري بمن حاول المكر بك من مشركي قومك ، بإثباتك ، أو قتلك ، أو إخراجك من وطنك ، حتى استنقذتك منهم وأهلكتهم ، فامض لأمري في حرب من حاربك من المشركين ، وتولى عن إجابة ما أرسلتك به من الدين القيم ، ولا يرعبنك كثرة عددهم ، فإن ربك خير الماكرين بمن كفر به وعبد غيره وخالف أمره ونهيه . وقد بينا معنى المكر فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . القول في تأويل قوله تعالى :
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
يقول تعالى ذكره : وإذا تتلى على هؤلاء الذين كفروا آيات كتاب الله الواضحة لمن شرح الله صدره لفهمه قالوا جهلا منهم وعنادا للحق وهم يعلمون أنهم كاذبون في قيلهم :
لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا
الذي تلي علينا ،
إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
يعني أنهم يقولون ما هذا القرآن الذي يتلى عليهم إلا أساطير الأولين . والأساطير : جمع أسطر ، وهو جمع الجمع ، لأن واحد الأسطر : سطر ، ثم يجمع السطر :
أسطر وسطور ، ثم يجمع الأسطر : أساطير وأساطر . وقد كان بعض أهل العربية يقول : واحد الأساطير :
أسطورة . وإنما عنى المشركون بقولهم :
إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
إن هذا القرآن الذي تتلوه علينا يا محمد إلا ما سطر الأولون وكتبوه من أخبار الأمم . كأنهم أضافوه إلى أنه أخذ عن بني آدم ، وأنه لم يوجه الله إليه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، قال : قال ابن جريج ، قوله :
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا