تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
لِيُثْبِتُوكَ
قال : يسجنوك . وقالها عبد الله بن كثير . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : قالوا : اسجنوه وقال آخرون : بل معناه : ليسحروك . ذكر من قال ذلك . حدثني محمد بن إسماعيل البصري المعروف بالوساوسي ، قال : ثنا عبد المجيد بن أبي رواد ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن عبيد بن عمير عن المطلب بن أبي وداعة : أن أبا طالب قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ما يأتمر به قومك ؟ قال : " يريدون أن يسحروني ويقتلوني ويخرجوني " فقال : من أخبرك بهذا ؟ قال : " ربي " قال : نعم الرب ربك ، فاستوص به خيرا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنا استوصي به ؟ بل هو يستوصي بي خيرا " . فنزلت :
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ
الآية . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، قال : قال ابن جريج ، قال عطاء : سمعت عبيد بن عمير يقول : لما ائتمروا بالنبي صلى الله عليه وسلم ليقتلوه أو يثبتوه أو يخرجوه ، قال له أبو طالب : هل تدري ما ائتمروا لك ؟ قال : " نعم " . قال : فأخبره . قال : من أخبرك ؟ قال : " ربي " . قال : نعم الرب ربك ، استوص به خيرا قال : " أنا أستوصى به ، أو هو يستوصي بي ؟ " . وكان معنى مكر قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم به ليثبتوه ، كما : حدثنا سعيد بن يحيى الأموي ، قال : ثني أبي ، قال : ثنا محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : وحدثني الكلبي ، عن زاذان مولى أم هانئ ، عن ابن عباس : أن نفرا من قريش من أشراف كل قبيلة ، اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة ، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل ؛ فلما رأوه قالوا : من أنت ؟ قال : شيخ من نجد ، سمعت أنكم اجتمعتم ، فأردت أن أحضركم ولن يعدمكم مني رأي ونصح . قالوا : أجل ادخل فدخل معهم ، فقال : انظروا في شأن هذا الرجل ، والله ليوشكن أن يواثبكم في أموركم بأمره قال : فقال قائل : احبسوه في وثاق ، ثم تربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء ، زهير والنابغة ، إنما هو كأحدهم قال : فصرخ عدو الله الشيخ النجدي ، فقال : والله ما هذا لكم رأي ، والله ليخرجنه ربه من محبسه إلى أصحابه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم فيمنعوه منكم ، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم قالوا : فانظروا في غير هذا . قال : فقال قائل : أخرجوه من بين أظهركم تستريحوا منه ، فإنه إذا خرج لن يضركم ما صنع وأين وقع إذا غاب عنكم أذاه واسترحتم وكان أمره في غيركم فقال الشيخ النجدي : والله ما هذا لكم برأي ، ألم تروا حلاوة قوله وطلاقة لسانه وأخذ القلوب ما تسمع من حديثه ؟ والله لئن فعلتم ثم استعرض العرب ، لتجتمعن عليكم ، ثم ليأتين إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم قالوا : صدق والله ، فانظروا رأيا غير هذا قال : فقال أبو جهل : والله لأشيرن عليكم برأي ما أراكم أبصرتموه بعد ما أرى غيره . قالوا : وما هو ؟ قال : نأخذ من كل قبيلة غلاما وسطا شابا نهدا ، ثم يعطى كل غلام منهم سيفا صارما ، ثم يضربونه ضربة رجل واحد ، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها ، فلا أظن هذا الحي من بني هاشم يقدرون على حرب قريش كلها ، فإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل واسترحنا وقطعنا عنا أذاه . فقال الشيخ النجدي : هذا والله الرأي القول ما قال الفتى ، لا أرى غيره . قال : فتفرقوا على ذلك وهم مجمعون له . قال : فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه تلك الليلة ، وأذن الله له عند ذلك بالخروج ، وأنزل عليه بعد قدومه المدينة الأنفال يذكره نعمه عليه وبلاءه عنده :
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
؛ وأنزل في قولهم : " تربصوا به ريب المنون " حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء :
أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ
وكان يسمى ذلك اليوم : " يوم الزحمة " للذي اجتمعوا عليه من الرأي . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ومقسم ، في قوله :
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ
قالا : تشاوروا فيه ليلة وهم بمكة ، فقال بعضهم : إذا أصبع فأوثقوه بالوثاق وقال بعضهم : بل اقتلوه وقال بعضهم : بل أخرجوه فلما أصبحوا رأوا