تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، قال : ثنا ابن عون ، عن محمد ، أن عمر رضي الله عنه بلغه قتل أبي عبيد ، فقال : لو تحيز إلي لكنت له فئة . حدثني المثنى ، قال : ثنا سويد ، قال : ثنا ابن المبارك ، عن جرير بن حازم ، قال : ثني قيس بن سعيد ، قال : سألت عطاء بن أبي رباح ، عن قوله :
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ
الفرار من الزحف قال : هذه منسوخة بالآية التي في الأنفال :
الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ
قال : وليس لقوم أن يفروا من مثليهم . قال : ونسخت تلك إلا هذه العدة . حدثني المثنى ، قال : ثنا سويد ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن سليمان التيمي ، عن أبي عثمان ، قال : لما قتل أبو عبيد جاء الخبر إلى عمر ، فقال : يا أيها الناس أنا فئتكم . قال : ابن المبارك ، عن معمر وسفيان الثوري وابن عيينة ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : قال عمر رضي الله عنه : أنا فئة كل مسلم . وقال آخرون : بل هذه الآية الفرار من الزحف حكمها عام في كل من ولى الدبر عن العدو منهزما . ذكر من قال ذلك . حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قال : أكبر الكبائر : الشرك بالله ، والفرار من الزحف ؛ لأن الله عز وجل يقول :
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
. وأولى التأويلين في هذه الآية بالصواب : عندي قول من قال : حكمها محكم ، وأنها نزلت في أهل بدر ، وحكمها ثابت في جميع المؤمنين ، وأن الله حرم على المؤمنين إذا لقوا العدو أن يولوهم الدبر منهزمين الفرار من الزحف ، إلا لتحرف القتال ، أو لتحيز إلى فئة من المؤمنين حيث كانت من أرض الإسلام ، وأن من ولا هم الدبر بعد الزحف لقتال منهزما بغير نية إحدى الخلتين اللتين أباح الله التولية بهما ، فقد استوجب من الله وعيده إلا أن يتفضل عليه بعفوه . وإنما قلنا هي محكمة غير منسوخة ، لما قد بينا في غير موضع من كتابنا هذا وغيره أنه لا يجوز أن يحكم لحكم آية بنسخ وله في غير النسخ وجه إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر يقطع العذر أو حجة عقل ، ولا حجة من هذين المعنيين تدل على نسخ حكم قول الله عز وجل :
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ
. وأما قوله :
فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ
يقول : فقد رجع بغضب من الله ،
وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ
يقول : ومصيره الذي يصير إليه في معاده يوم القيامة جهنم وبئس المصير ، يقول : وبئس الموضع الذي يصير إليه ذلك المصير . القول في تأويل قوله تعالى :
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى . . .
سَمِيعٌ عَلِيمٌ
يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله ممن شهد بدرا مع رسول الله فقاتل أعداء دينه معه من كفار قريش : فلم تقتلوا المشركين أيها المؤمنون أنتم ، ولكن الله قتلهم . وأضاف جل ثناؤه قتلهم إلى نفسه ، ونفاه عن المؤمنين به الذين قاتلوا المشركين ، إذ كان جل ثناؤه هو مسبب قتلهم ، وعن أمره كان قتال المؤمنين إياهم ، ففي ذلك أدل الدليل على فساد قول المنكرين أن يكون لله في أفعال خلقه صنع به وصلوا إليها . وكذلك قوله لنبيه عليه الصلاة والسلام :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
فأضاف الرمي إلى نبي الله ، ثم نفاه عنه ، وأخبر عن نفسه أنه هو الرامي ، إذ كان جل ثناؤه هو الموصل المرمي به إلى الذين رموا من به المشركين ، والمسبب الرمية لرسوله . فيقال للمسلمين ما ذكرنا : قد علمتم إضافة الله رمى نبيه صلى الله عليه وسلم المشركين إلى نفسه بعد وصفه نبيه به وإضافته إليه ذلك فعل واحد كان من الله بتسبيبه وتسديده ، ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحذف والإرسال ، فما تنكرون أن يكون كذلك سائر أفعال الخلق المكتسبة : من الله الإنشاء والإنجاز بالتسبيب ، ومن الخلق الاكتساب بالقوى ؟ فلن يقولوا في أحدهما قولا إلا ألزموا في الآخر مثله . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله :
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ
لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين قال هذا : قتلت ،