تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
سعيد بن المسيب ، وقال مرة قرأ :
وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ
فقال سعيد : إنما هي : " وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به " قال : وقال الشعبي : كان ذلك طشا يوم بدر . وقد زعم بعض أهل العلم بالغريب من أهل البصرة ، أن مجاز قوله :
وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ
ويفرغ عليهم الصبر وينزله عليهم ، فيثبتون لعدوهم . وذلك قول خلاف لقول جميع أهل التأويل من الصحابة والتابعين ، وحسب قول خطأ أن يكون خلافا لقول من ذكرنا . وقد بينا أقوالهم فيه ، وأن معناه : ويثبت أقدام المؤمنين بتلبيد المطر الرمل حتى لا تسوخ فيه أقدامهم وحوافر دوابهم . وأما قوله :
إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ
أنصركم ،
فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا
يقول : قووا عزمهم ، وصححوا نياتهم في قتال عدوهم من المشركين . وقد قيل : إن تثبيت الملائكة المؤمنين كان حضورهم حربهم معهم ، وقيل : كان ذلك معونتهم إياهم بقتال أعدائهم ، وقيل : كان ذلك بأن الملك يأتي الرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقول : سمعت هؤلاء القوم ، يعني المشركين يقولون : والله لئن حملوا علينا لننكشفن ، فيحدث المسلمون بعضهم بعضا بذلك ، فتقوى أنفسهم . قالوا : وذلك كان وحي الله إلى ملائكته . وأما ابن إسحاق ، فإنه قال بما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق :
فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا
أي فآزروا الذين آمنوا . القول في تأويل قوله تعالى :
سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ
يقول تعالى ذكره : سأرعب قلوب الذين كفروا بي أيها المؤمنون منكم ، وأملؤها فرقا حتى ينهزموا عنكم ، فاضربوا فوق الأعناق واختلف أهل التأويل في تأويل قوله :
فَوْقَ الْأَعْناقِ
فقال بعضهم : معناه : فاضربوا الأعناق . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا ابن إدريس ، عن أبيه إدريس ، عن عطية :
فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ
قال : اضربوا الأعناق . قال : ثنا أبي ، عن المسعودي ، عن القاسم ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني لم أبعث لأعذب بعذاب الله ، إنما بعثت لضرب الأعناق وشد الوثاق " . حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ ، قال : ثنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :
فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ
يقول : اضربوا الرقاب . واحتج قائلوا هذه المقالة . . . معناه : فاضربوا الأعناق بأن العرب تقول : رأيت نفس فلان ، بمعنى رأيته ، قالوا : فكذلك قوله :
فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ
إنما معناه : فاضربوا الأعناق . وقال آخرون : بل معنى ذلك : فاضربوا الرؤوس . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : وحدثنا الحسين ، عن يزيد ، عن عكرمة :
فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ
قال : الرؤوس . واعتل قائلوا هذه المقالة . . . معنى ذلك : فاضربوا الرؤوس بأن الذي فوق الأعناق : الرؤوس ، وقالوا : وغير جائز أن تقول : فوق الأعناق ، فيكون معناه : الأعناق . قالوا : ولو جاز كان أن يقال تحت الأعناق ، فيكون معناه : الأعناق . قالوا : وذلك خلاف المعقول من الخطاب ، وقلب معاني الكلام . وقال آخرون : معنى ذلك : فاضربوا على الأعناق . وقالوا : " على " و " فوق " معناهما متقاربان ، فجاز أن يوضع أحدهما مكان الآخر . والصواب من القول في ذلك أن يقال : أن الله أمر المؤمنين معلمهم كيفية قتل المشركين وضربهم بالسيف أن يضربوا فوق الأعناق منهم والأيدي والأرجل ؛ وقوله :
فَوْقَ الْأَعْناقِ
محتمل أن يكون مرادا به الرؤوس ، ومحتمل أن يكون مرادا به فوق جلدة الأعناق ، فيكون معناه : على الأعناق وإذا احتمل ذلك صح قول من قال : معناه : الأعناق . وإذا كان الأمر محتملا ما ذكرنا من التأويل ، لم يكن لنا أن نوجهه إلى بعض معانيه دون بعض إلا بحجة يجب التسليم لها ، ولا حجة تدل على خصوصه ، فالواجب أن يقال : إن الله أمر بضرب رؤوس المشركين وأعناقهم وأيديهم وأرجلهم أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم الذين شهدوا معه بدرا . وأما قوله :
وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ
فإن معناه : واضربوا أيها المؤمنون من عدوكم كل طرف ومفصل من أطراف أيديهم وأرجلهم . والبنان : جمع بنانة ، وهي أطراف أصابع اليدين والرجلين ، ومن ذلك قول الشاعر :