ما طاف بك من وسوسة الشيطان ، وأما الطيف : فإنما هو من اللمم والمس . وقال أخر منهم : الطيف : اللمم ، والطائف : كل شيء طاف بالإنسان . وذكر عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقول : الطيف : الوسوسة .
قال أبو جعفر : وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأ :
طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ
لأن أهل التأويل تأولوا ذلك بمعنى الغضب والزلة تكون من المطيف به . وإذا كان ذلك معناه كان معلوما إذ كان الطيف إنما هو مصدر من قول القائل : طاف يطيف ، أن ذلك خبر من الله عما يمس الذين اتقوا من الشيطان ، وإنما يمسهم ما طاف بهم من أسبابه ، وذلك كالغضب والوسوسة . وإنما يطوف الشيطان بابن آدم ليستزله عن طاعة ربه أو ليوسوس له ، والوسوسة والاستزلال هو الطائف من الشيطان ، وأما الطيف فإنما هو الخيال ، وهو مصدر من طاف يطيف ، ويقول : لم أسمع في ذلك طاف يطيف ، ويتأوله بأنه بمعنى الميت وهو من الواو . وحكى البصريون وبعض الكوفيين سماعا من العرب :
طاف يطيف ، وطفت أطيف ، وأنشدوا في ذلك :
أنى ألم بك الخيال يطيف * ومطافه لك ذكرة وشعوف
وأما أهل التأويل ، فإنهم اختلفوا في تأويله ، فقال بعضهم : ذلك الطائف هو الغضب . ذكر من قال ذلك . حدثنا أبو كريب وابن وكيع ، قالا : ثنا ابن يمان ، عن أشعث ، عن جعفر ، عن سعيد :
إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ
قال : الطيف : الغضب . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، عن عنبسة ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد ، في قوله : " إذا مسهم طيف من الشيطان " قال : هو الغضب . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عبد الله بن رجاء ، عن ابن جريج ، عن عبد الله بن كثير ، عن مجاهد ، قال : الغضب . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله :
إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا
قال : هو الغضب . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال :
ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله :
طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ
قال : الغضب . وقال آخرون :
هو اللمة والزلة من الشيطان . ذكر من قال ذلك . حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال :
ثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله :
إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا
الطائف : اللمة من الشيطان .
فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ
حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ
يقول : نزغ من الشيطان .
تَذَكَّرُوا
حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا
يقول : إذا زلوا تابوا . قال أبو جعفر : وهذان التأويلان متقاربا المعنى ، لأن الغضب من استزلال الشيطان . واللمة من الخطيئة أيضا منه ، وكان ذلك من طائف الشيطان . وإذ كان ذلك كذلك ، فلا وجه لخصوص معنى منه دون معنى ، بل الصواب أن يعم كما عمه جل ثناؤه ، فيقال : إن الذين اتقوا إذا عرض لهم عارض من أسباب الشيطان ما كان ذلك العارض ، تذكروا أمر الله وانتهوا إلى أمره . وأما قوله :
فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ
فإنه يعني : فإذا هم مبصرون هدى الله وبيانه وطاعته فيه ، فمنتهون عما دعاهم إليه طائف الشيطان . كما : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس :
فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ
يقول : إذا هم منتهون عن المعصية ، آخذون بأمر الله ، عاصون للشيطان . القول