إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ
قال : هؤلاء المشركين . وقد يحتمل قول السدي هذا أن يكون أراد بقوله : هؤلاء المشركون قول الله :
وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا
وقد كان مجاهد يقول في ذلك ما : حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد :
وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ
ما تدعوهم إلى الهدى . وكأن مجاهد ا وجه معنى الكلام إلى أن معناه : وترى المشركين ينظرون إليك وهم لا يبصرون . فهو وجه ، ولكن الكلام في سياق الخبر عن الآلهة فهو بوصفها أشبه . قال أبو جعفر : فإن قال قائل : فما معنى قوله :
وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ
؟ وهل يجوز أن يكون شيء ينظر إلى شيء ولا يراه ؟ قيل : إن العرب تقول للشيء إذا قابل شيئا أو حاذاه هو ينظر إلى كذا ، ويقال : منزل فلان ينظر إلى منزلي إذا قابله .
وحكي عنها : إذا أتيت موضع كذا وكذا ، فنظر إليك الجبل ، فخذ يمينا أو شمالا . وحدثت عن أبي عبيد ، قال : قال الكسائي : الحائط ينظر إليك إذا كان قريبا منك حيث تراه ، ومنه قول الشاعر :
إذا نظرت بلاد بني تميم * بعين أو بلاد بني صباح
يريد : تقابل نبتها وعشبها وتحاذى . فمعنى الكلام : وترى يا محمد آلهة هؤلاء المشركين من عبدة الأوثان يقابلونك ويحاذونك ، وهم لا يبصرونك ، لأنه لا أبصار لهم . وقيل : " وتراهم " ، ولم يقل : " وتراها " ، لأنها صور مصورة على صور بني آدم . القول في تأويل قوله تعالى :
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : تأويله : خذ العفو من أخلاق الناس ، وهو الفضل وما لا يجهدهم . ذكر من قال ذلك . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، عن عنبسة ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن القاسم ، عن مجاهد ، في قوله :
خُذِ الْعَفْوَ
قال : من أخلاق الناس وأعمالهم بغير تحسس . حدثنا يعقوب وابن وكيع ، قالا : ثنا ابن علية ، عن ليث ، عن مجاهد في قوله :
خُذِ الْعَفْوَ
قال : عفو أخلاق الناس ، وعفو أمورهم . حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : ثني ابن أبي الزناد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه في قوله :
خُذِ الْعَفْوَ
الآية . قال عروة : أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أخلاق الناس . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عروة ، عن ابن الزبير ، قال : ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس :
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ
حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا محمد بن بكر ، عن ابن جريج ، قال : بلغني عن مجاهد :
خُذِ الْعَفْوَ
من أخلاق الناس وأعمالهم بغير تحسس . حدثنا ابن وكيع قال : ثنا أبو معاوية ، عن هشام بن عروة ، عن وهب بن كيسان ، عن ابن الزبير :
خُذِ الْعَفْوَ
قال : من أخلاق الناس ، والله لآخذته منهم ما صحبتم .
حدثنا ابن وكيع قال : ثنا عبدة بن سليمان ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عروة ، عن ابن الزبير ، قال : إنما أنزل الله
خُذِ الْعَفْوَ
من أخلاق الناس . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قاله ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
خُذِ الْعَفْوَ
قال : من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تجسس أو تحسس ، شك أبو عاصم .
وقال آخرون : بل معنى ذلك :
خُذِ الْعَفْوَ
من أموال الناس ، وهو الفضل . قالوا : وأمر بذلك قبل نزول الزكاة ، فلما نزلت الزكاة نسخ . ذكر من قال ذلك . حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله
خُذِ الْعَفْوَ
يعني : خذ ما عفا لك من أموالهم ، وما أتوك به من شيء فخذه . فكان هذا قبل أن تنزل براءة بفرائض الصدقات وتفصيلها وما انتهت الصدقات