في تأويل قوله تعالى :
وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ
يقول تعالى ذكره : وإخوان الشياطين تمدهم الشياطين في الغي . يعني بقوله :
يَمُدُّونَهُمْ
يزيدونهم .
ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ
عما قصر عنه الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان . وإنما هذا خبر من الله عن فريقي الإيمان والكفر ، بأن فريق الإيمان وأهل تقوى الله إذا استزلهم الشيطان تذكروا عظمة الله وعقابه ، فكفتهم رهبته عن معاصيه وردتهم إلى التوبة والإنابة إلى الله مما كان منهم من زلة ، وأن فريق الكافرين يزيدهم الشيطان غيا إلى غيهم إذا ركبوا معصية من معاصي الله ، ولا يحجزهم تقوى الله ولا خوف المعاد إليه عن التمادي فيها والزيادة منها ، فهو أبدا في زيادة من ركوب الإثم ، والشيطان يزيده أبدا ، لا يقصر الإنسي عن شيء من ركوب الفواحش ولا الشيطان من مده منه . كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس :
وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ
قال : لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات ، ولا الشياطين تمسك عنهم . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال :
ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ
يقول :
هم الجن يوحون إلى أوليائهم من الإنس ، ثم لا يقصرون ، يقول : لا يسأمون . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ
إخوان الشياطين من المشركين ، يمدهم الشيطان في الغي .
ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ
حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، قال : قال ابن جريج ، قال عبد الله بن كثير : وإخوانهم من الجن ، يمدون إخوانهم من الإنس ، ثم لا يقصرون ، ثم يقول لا يقصر الإنسان . قال : والمد الزيادة ، يعني : أهل الشرك ، يقول :
لا يقصر أهل الشرك ، كما يقصر الذين اتقوا لأنهم لا يحجزهم الإيمان . قال ابن جريج ، قال مجاهد
وَإِخْوانُهُمْ
من الشياطين
يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ
استجهالا يمدون أهل الشرك . قال ابن جريج :
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
قال : فهؤلاء الإنس . يقول الله :
وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ
حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثني محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة :
وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ
قال : إخوان الشياطين : يمدهم الشياطين في الغي ثم لا يقصرون . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
وَإِخْوانُهُمْ
من الشياطين .
يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ
استجهالا . وكان بعضهم يتأول قوله :
ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ
بمعنى : ولا الشياطين يقصرون في مدهم إخوانهم من الغي . ذكر من قال ذلك . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ
عنهم ، ولا يرحمونهم . قال أبو جعفر :
وقد بينا أولى التأويلين عندنا بالصواب ، وإنما اخترنا ما اخترنا من القول في ذلك على ما بيناه ؛ لأن الله وصف في الآية قبلها أهل الإيمان به وارتداعهم عن معصيته وما يكرهه إلى محبته عند تذكرهم عظمته ، ثم أتبع ذلك الخبر عن إخوان الشياطين وركوبهم معاصيه ، وكان الأولى وصفهم بتماديهم فيها ، إذ كان عقيب الخبر عن تقصير المؤمنين عنها . وأما قوله :
يَمُدُّونَهُمْ
فإن القراء اختلفت في قراءته ، فقرأه بعض المدنيين : " يمدونهم " بضم الياء من أمددت . وقرأته عامة قراء الكوفيين والبصريين :
يَمُدُّونَهُمْ
بفتح الياء من مددت . قال أبو جعفر : والصواب من القراءة في ذلك عندنا :
يَمُدُّونَهُمْ
بفتح الياء ، لأن الذي يمد الشياطين إخوانهم من المشركين إنما هو زيادة من جنس الممدود ، وإذا كان الذي