تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ
قال : أما العرف : فالمعروف . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة :
وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ
أي بالمعروف . قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأمر الناس بالعرف ، وهو المعروف في كلام العرب ، مصدر في معنى المعروف ، يقال أوليته عرفا وعارفا وعارفة كل ذلك بمعنى المعروف . فإذا كان معنى العرف ذلك ، فمن المعروف صلة رحم من قطع ، وإعطاء من حرم ، والعفو عمن ظلم . وكل ما أمر الله به من الأعمال أو ندب إليه فهو من العرف . ولم يخصص الله من ذلك معنى دون معنى ؛ فالحق فيه أن يقال : قد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأمر عباده بالمعروف كله لا ببعض معانيه دون بعض . وأما قوله :
وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
فإنه أمر من الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعرض عمن جهل . وذلك وإن كان أمرا من الله لنبيه ، فإنه تأديب منه عز ذكره لخلقه باحتمال من ظلمهم أو اعتدى عليهم ، لا بالإعراض عمن جهل الواجب عليه من حق الله ولا بالصفح عمن كفر بالله وجهل وحدانيته ، وهو للمسلمين حرب . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
قال : أخلاق أمر الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم ، ودله عليها . القول في تأويل قوله تعالى :
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
يعني جل ثناؤه بقوله :
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ
وإما يغضبنك من الشيطان غضب يصدك عن الإعراض عن الجاهلين ويحملك على مجازاتهم .
فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ
يقول : فاستجر بالله من نزغه .
إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
يقول : إن الله الذي تستعيذ به من نزغ الشيطان سميع لجهل الجاهل عليك ولاستعاذتك به من نزغه ولغير ذلك من كلام خلقه ، لا يخفى عليه منه شيء ، عليم بما يذهب عنك نزغ الشيطان وغير ذلك من أمور خلقه . كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فكيف بالغضب يا رب " ؟ قال :
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
قال : علم الله أن هذا العدو منيع ومريد . وأصل النزغ : الفساد ، يقول : نزغ الشيطان بين القوم إذا أفسد بينهم وحمل بعضهم على بعض ، ويقال منه : نزغ ينزغ ، ونغز ينغز . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا
يقول تعالى ذكره :
إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا
الله من خلقه ، فخافوا عقابه بأداء فرائضه ، واجتناب معاصيه
إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا
يقول : إذا ألم بهم طيف من الشيطان من غضب أو غيره مما يصد عن واجب حق الله عليهم ، تذكروا عقاب الله وثوابه ووعده ووعيده ، وأبصروا الحق فعملوا به ، وانتهوا إلى طاعة الله فيما فرض عليهم وتركوا فيه طاعة الشيطان . واختلفت القراء في قراءة قوله : " طائف " فقرأته عامة قراء أهل المدينة والكوفة :
طائِفٌ
على مثال فاعل ، وقرأه بعض المكيين والبصريين والكوفيين : " طيف من الشيطان " . واختلف أهل العلم بكلام العرب في فرق ما بين الطائف والطيف . قال بعض البصريين : الطائف والطيف سواء ، وهو ما كان كالخيال والشيء يلم بك . قال : ويجوز أن يكون الطيف مخففا عن طيف مثل ميت وميت . وقال بعض الكوفيين : الطائف :