تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
إليه . حدثني محمد بن الحسين . قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
خُذِ الْعَفْوَ
أما العفو : فالفضل من المال ، نسختها الزكاة . حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك ، يقول في قوله :
خُذِ الْعَفْوَ
يقول : خذ ما عفا من أموالهم ، وهذا قبل أن تنزل الصدقة المفروضة . وقال آخرون : بل ذلك أمر من الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالعفو عن المشركين وترك الغلظة عليهم قبل أن يفرض قتالهم عليه . ذكر من قال ذلك . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
خُذِ الْعَفْوَ
قال : أمره فأعرض عنهم عشر سنين بمكة . قال : قال ابن زيد ، في قوله : يقعد لهم كل مرصد وأن يحصرهم ، ثم قال :
فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ
الآية كلها ، وقرأ :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ
قال : وأمر المؤمنين بالغلظة عليهم ، فقال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً
بعد ما كان أمرهم بالعفو ، وقرأ قول الله :
قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ
ثم لم يقبل منهم بعد ذلك إلا الإسلام أو القتل ، فنسخت هذه الآية العفو . قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال : معناه : خذ العفو من أخلاق الناس ، واترك الغلظة عليهم ، وقال : أمر بذلك نبي الله صلى الله عليه وسلم في المشركين . وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب ، لأن الله جل ثناؤه اتبع ذلك تعليمه نبيه صلى الله عليه وسلم محاجته المشركين في الكلام ، وذلك قوله :
قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ
، وعقبه بقوله :
وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْ لا اجْتَبَيْتَها
فما بين ذلك بأن يكون من تأديبه نبيه صلى الله عليه وسلم في عشرتهم به أشبه وأولى من الاعتراض بأمره بأخذ الصدقة من المسلمين . فإن قال قائل : أفمنسوخ ذلك ؟ قيل : لا دلالة عندنا على أنه منسوخ ، إذ كان جائزا أن يكون ، وإن كان الله أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم في تعريفه عشرة من لم يؤمر بقتاله من المشركين ؛ مرادا به تأديب نبي الله والمسلمين جميعا في عشرة الناس وأمرهم بأخذ عفو أخلاقهم ، فيكون وإن كان من أجلهم نزل تعليما من الله خلقه صفة عشرة بعضهم بعضا ، لم يجب استعمال الغلظة والشدة في بعضهم ، فإذا وجب استعمال ذلك فيهم استعمل الواجب ، فيكون قوله :
خُذِ الْعَفْوَ
أمرا بأخذه ما لم يجب غير العفو ، فإذا وجب غيره أخذ الواجب وغير الواجب إذا أمكن ذلك ؛ فلا يحكم على الآية بأنها منسوخة لما قد بينا ذلك في نظائره في غير موضع من كتبنا . وأما قوله :
وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ
فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله ، فقال بعضهم بما : حدثني الحسن بن الزبرقان النخعي ، قال : ثني حسين الجعفي ، عن سفيان بن عيينة ، عن رجل قد سماه ، قال : لما نزلت هذه الآية :
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا جبريل ما هذا " ؟ قال : ما أدري حتى أسأل العالم . قال : ثم قال جبريل : يا محمد إن الله يأمرك أن تصل من قطعك ، وتعطي من حرمك ، وتعفو عمن ظلمك . حدثني يونس ، قال : أخبرنا سفيان ، عن أبي ، قال : لما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم :
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
قال النبي صلى الله عليه وسلم : " ما هذا يا جبريل " ؟ قال : إن الله يأمرك أن تعفو عمن ظلمك ، وتعطي من حرمك ، وتصل من قطعك . وقال آخرون بما : حدثني محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عروة :
وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ
يقول : بالمعروف . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا