تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
عما يشرك المشركون ، ولم يعنهما . القول في تأويل قوله تعالى :
أَ يُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ
يقول تعالى ذكره : أيشركون في عبادة الله ، فيعبدون معه ما لا يخلق شيئا والله يخلقها وينشئها ، وإنما العبادة الخالصة للخالق لا للمخلوق ؟ وكان ابن زيد يقول في ذلك بما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، قال : ولد لآدم وحواء ولد ، فسمياه عبد الله ، فأتاهما إبليس فقال : ما سميتما يا آدم ويا حواء ابنكما ؟ قال : وكان ولد لهما قبل ذلك ولد ، فسمياه عبد الله ، فمات ؛ فقالا : سميناه عبد الله . فقال إبليس : أتظنان أن الله تارك عبده عندكما ؟ لا والله ليذهبن به كما ذهب بالآخر ولكن أدلكما على اسم يبقى لكما ما بقيتما ؟ فسمياه عبد شمس قال : فذلك قول الله تبارك وتعالى :
أَ يُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ
الشمس تخلق شيئا حتى يكون لها عبد ؟ إنما هي مخلوقة . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خدعهما مرتين : خدعهما في الجنة ، وخدعهما في الأرض " . وقيل :
وَهُمْ يُخْلَقُونَ
، فأخرج مكنيهم مخرج مكنى بني آدم ، وقد قال :
أَ يُشْرِكُونَ ما
فأخرج ذكرهم ب " ما " لأب " من " مخرج الخبر عن غير بني آدم ، لأن الذي كانوا يعبدونه إنما كان حجرا أو خشبا أو نحاسا ، أو بعض الأشياء التي يخبر عنها ب " ما " ب " من " ، فقيل : " وهم " ، فأخرجت كنايتهم مخرج كناية بني آدم ، لأن الخبر عنها بتعظيم المشركين إياها نظير الخبر عن تعظيم الناس بعضهم بعضا . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ
يقول تعالى ذكره : أيشرك هؤلاء المشركون في عبادة الله ما لا يخلق شيئا من خلق الله ، ولا يستطيع أن ينصرهم إن أراد الله أو أحل بهم عقوبة ، ولا هو قادر إن أراد به سوء انصر نفسه ولا دفع ضر عنها . وإنما للعابد يعبد ما يعبده لاجتلاب نفع منه أو لدفع ضر منه عن نفسه . وآلهتهم التي يعبدونها ويشركونها في عبادة الله لا تنفعهم ولا تضرهم ، بل لا تجتلب إلى نفسها نفعا ولا تدفع عنها ضرا ، فهي من نفع غير أنفسها أو دفع الضر عنها أبعد . يعجب تبارك وتعالى خلقه من عظيم خطأ هؤلاء الذين يشركون في عبادتهم الله غيره . القول في تأويل قوله تعالى :
وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَ دَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ
يقول تعالى ذكره في وصفه وعيبه ما يشرك هؤلاء المشركون في عبادتهم ربهم إياه : ومن صفته أنكم أيها الناس إن تدعوهم إلى الطريق المستقيم ، والأمر الصحيح السديد
لا يَتَّبِعُوكُمْ
لأنها ليست تعقل شيئا ، فتترك من الطرق ما كان عن القصد منعدلا جائزا ، وتركب ما كان مستقيما سديدا . وإنما أراد الله جل ثناؤه بوصف آلهتهم بذلك من صفتها تنبيههم على عظيم خطئهم ، وقبح اختيارهم ، يقول جل ثناؤه : فكيف يهديكم إلى الرشاد من إن دعي إلى الرشاد وعرفه لم يعرفه ، ولم يفهم رشادا من ضلال ، وكان سواء دعاء داعيه إلى الرشاد وسكوته ، لأنه لا يفهم دعاءه ، ولا يسمع صوته ، ولا يعقل ما يقال له ؟ يقول : فكيف يعبد من كانت هذه صفته أم كيف يشكل عظيم جهل من اتخذ ما هذه صفته إلها ؟ وإنما الرب المعبود هو النافع من يعبده ، الضار من يعصيه ، الناصر وليه ، الخاذل عدوه ، الهادي إلى الرشاد من أطاعه ، السامع دعاء من دعاه . وقيل :
سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَ دَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ
فعطف بقوله : " صامتون " ، وهو اسم على قوله : " أدعوتموهم " ، وهو فعل ماض ، ولم يقل : أم صمتم ، كما قال الشاعر :
سواء عليك الفقر أم بت ليلة * بأهل القباب من نمير بن عامر
وقد ينشد : " أم أنت بائت " . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ