تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، قال : قال الحسن : عني بهذا ذرية آدم ، من أشرك منهم بعده . يعني بقوله :
فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما
حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : كان الحسن يقول : هم اليهود والنصارى ، رزقهم الله أولادا فهودوا ونصروا . قال أبو جعفر : وأولى القولين بالصواب قول من قال : عنى بقوله :
فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ
في الاسم لا في العبادة ، وأن المعني بذلك آدم وحواء لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك . فإن قال قائل : فما أنت قائل إذ كان الأمر على ما وصفت في تأويل هذه الآية ، وأن المعني بها آدم وحواء في قوله :
فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
أهو استنكاف من الله أن يكون له في الأسماء شريك أو في العبادة ؟ فإن قلت في الأسماء دل على فساده قوله :
أَ يُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ
وإن قلت في العبادة ، قيل لك : أفكان آدم أشرك في عبادة الله غيره ؟ قيل له : إن القول في تأويل قوله :
فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
ليس بالذي طننت ، وإنما القول فيه : فتعالى الله عما يشرك به مشركو العرب من عبدة الأوثان . فأما الخبر عن آدم وحواء فقد انقضى عند قوله :
جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما
ثم استؤنف قوله :
فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
كما : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله :
فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
يقول : هذه فصل من آية آدم خاصة في آلهة العرب . واختلفت القراء في قراءة قوله :
شُرَكاءَ
فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة وبعض المكيين والكوفيين : " جعلا له شركا " بكسر الشين ، بمعنى الشركة . وقرأه بعض المكيين وعامة قراء الكوفيين وبعض البصريين :
جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ
بضم الشين ، بمعنى جمع شريك . وهذه القراءة أولى القراءتين بالصواب ، لأن القراءة لو صحت بكسر الشين لوجب أن يكون الكلام . فلما أتاهما صالحا جعلا لغيره فيه شركا ؛ لأن آدم وحواء لم يدينا بأن ولدهما من عطية إبليس ثم يجعلا لله فيه شركا لتسميتهما إياه بعبد الله ، وإنما كانا يدينان لا شك بأن ولدهما من رزق الله وعطيته ، ثم سمياه عبد الحرث ، فجعلا لإبليس فيه شركا بالاسم ، فلو كانت قراءة من قرأ : " شركا " صحيحة وجب ما قلنا أن يكون الكلام : جعلا لغيره فيه شركا ، وفي نزول وحي الله بقوله :
جَعَلا لَهُ
ما يوضح عن أن الصحيح من القراءة :
شُرَكاءَ
بضم الشين على ما بينت قبل . فإن قال قائل : فإن آدم وحواء إنما سميا ابنهما عبد الحرث ، والحرث واحد ، وقوله :
شُرَكاءَ
جماعة ، فكيف وصفهما جل ثناؤه بأنهما جعلا له شركاء ، وإنما أشركا واحدا ؟ قيل : قد دللنا فيما مضى على أن العرب تخرج الخبر عن الواحد مخرج الخبر عن الجماعة إذا لم تقصد واحدا بعينه ولم تسمه ، كقوله :
الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ
وإنما كان القائل ذلك واحدا ، فأخرج الخبر مخرج الخبر عن الجماعة ، إذ لم يقصد قصده ، وذلك مستفيض في كلام العرب وأشعارها . وأما قوله :
فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
فتنزيه من الله تبارك وتعالى نفسه ، وتعظيم لها عما يقول فيه المبطلون ويدعون معه من الآلهة والأوثان . كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج :
فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
قال : هو الإنكاف ، أنكف نفسه جل وعز ، يقول : عظم نفسه ، وأنكفته الملائكة وما سبح له . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا ابن عيينة ، قال : سمعت صدقة يحدث عن السدي ، قال : هذا من الموصول والمفصول قوله :
جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما
في شأن آدم وحواء ، ثم قال الله تبارك وتعالى :
فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
قال :