المرأة إذا أوطأت امرأته نفسها غيره ، وأمكنت من جماعها سواه ، أن له منعها من الكسوة والرزق بالمعروف ، مثل الذي له من منعها ذلك إذا هي عصته في المعروف . وإذا كان ذلك له فمعلوم أنه غير مانع لها بمنعه إياها ماله منعها حقا لها واجبا عليه . وإذا كان ذلك كذلك فبين أنها إذا افتدت نفسها عند ذلك من زوجها فأخذ منها زوجها ما أعطته أنه لم يأخذ ذلك عن عضل منهي عنه ، بل هو أخذ ما أخذ منها عن عضل له مباح . وإذ كان ذلك كذلك كان بينا أنه داخل في استثناء الله تبارك وتعالى الذي استثناه من العاضلين بقوله :
وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ
. وإذ صح ذلك ، فبين فساد قول من قال :
إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ
منسوخ بالحدود ، لأن الحد حق الله تعالى على من أتى بالفاحشة التي هي زنا . وأما العضل لتفتدي المرأة من الزوج بما آتاها أو ببعضه فحق لزوجها كما عضله إياها وتضييقه عليها إذا هي نشزت عليه لتفتدي منه حق له ، وليس حكم أحدهما يبطل حكم الآخر . فمعنى الآية : ولا يحل لكم أيها الذين آمنوا أن تعضلوا نساءكم ، فتضيقوا عليهن ، وتمنعوهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف ، لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن من صدقاتكم ،
إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ
من زنا أو بذاء عليكم ، وخلاف لكم فيما يحب عليهن لكم مبينة ظاهره ، فيحل لكم حينئذ عضلهن ، والتضييق عليهن ، لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن من صداق ، إن هن افتدين منكم به .
واختلف القراء في قراءة قوله : " مبينه " فقرأه بعضهم : " مبينة " بفتح الياء ، بمعنى أنها قد بينت لكم وأعلنت وأظهرت . وقرأه بعضهم . " مبينة " بكسر الياء ، بمعنى أنها ظاهرة بينة للناس أنها فاحشة . وهما قراءتان مستفيضتان في قراءة أمصار الإسلام ، فيأتيهما قرأ القارئ فمصيب في قراءته الصواب ، لأن الفاحشة إذا أظهرها صاحبها فهي ظاهرة بينة ، وإذا ظهرت فبإظهار صاحبها إياها ظهرت . فلا تكون ظاهرة بينة إلا وهي مبينة ولا مبينة إلا وهي مبينة . فلذلك رأيت القراءة بأيهما قرأ القارئ صوابا .
القول في تأويل قوله تعالى :
وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ
. يعني جل ثناؤه بقوله :
وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ
عشرة النساء بالمعروف وخالقوا أيها الرجال نساءكم ، وصاحبوهن بالمعروف . يعني بما أمرتم به من المصاحبة ، وذلك إمساكهن بأداء حقوقهن التي فرض الله جل ثناؤه لهن عليكم إليهن . أو تسريح منكم لهن بإحسان . كما : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال ، ثنا أسباط ، عن السدي :
وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ
عشرة النساء بالمعروف يقول : وخالطوهن . كذا قال محمد بن الحسين ، وإنما هو خالقوهن من العشرة وهي المصاحبة .
القول في تأويل قوله تعالى :
فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً
.
يعني بذلك تعالى ذكره : لا تعضلوا نساءكم لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن من غير ريبة ، ولا نشوز ، كان منهن ، ولكن عاشروهن بالمعروف وإن كرهتموهن ، فلعلكم أن تكرهوهن ، فتمسكوهن ، فيجعل الله لكم في إمساككم إياهن على كره منكم لهن خيرا كثيرا من ولد يرزقكم منهن ، أو عطفكم عليهن بعد كراهتكم إياهن . كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله :
فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً
يقول : فعسى الله أن يجعل في الكراهة خيرا كثيرا . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ،