تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
تبارك وتعالى :
لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً
. حدثنا محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس في قوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً
وذلك أن رجالا من أهل المدينة كان إذا مات حميم أحدهم ، ألقى ثوبه على امرأته ، فورث نكاحها ، فلم ينكحها أحد غيره ، وحبسها عنده حتى تفتدي منه بفدية ، فأنزل الله عز وجل :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً
. حدثني ابن وكيع ، قال : ثني أبي ، قال : ثنا سفيان ، عن علي بن بذيمة ، عن مقسم ، قال : كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها ، فجاء رجل فألقى عليها ثوبه كان أحق الناس بها ، قال : فنزلت هذه الآية :
لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً
. فتأويل الآية على هذا التأويل كانت الوراثة في أهل يثرب بالمدينة هاهنا ، فكان الرجل يموت فيرث ابنه امرأة أبيه : يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكن أن ترثوا آباءكم وأقاربكم نكاح نسائهم كرها ، فترك ذكر الآباء والأقارب والنكاح ، ووجه الكلام إلى النهي عن وراثة النساء وارثة النساء كرها ، اكتفاء بمعرفة المخاطبين بمعنى الكلام ، إذ كان مفهوما معناه عندهم . وقال آخرون : بل معنى ذلك : لا يحل لكم أيها الناس أن ترثوا النساء تركاتهن كرها ، قال وارثة النساء كرها : وإنما قيل ذلك لأنهم كانوا يعضلون أياما هن وهن كارهات للعضل حتى يمتن فيرثوهن أموالهن . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً
قال : كان الرجل إذا مات وترك جارية ، ألقي عليها حميمه ثوبه ، فمنعها من الناس ، فإن كانت جميلة تزوجها ، وإن كانت قبيحة حبسها حتى تموت ، فيرثها . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن الزهري في قوله :
لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً
قال : نزل في ناس من الأنصار كانوا إذا مات الرجل منهم فأملك الناس بامرأته وليه ، فيمسكها حتى تموت فيرثها ، فنزلت فيهم . قال أبو جعفر : وأولى القولين بتأويل الآية ، القول الذي ذكرناه عمن قال معناه وارثة النساء كرها : لا يحل لكم أن ترثوا نساء أقاربكم ، لأن الله جل ثناؤه قد بين مواريث أهل المواريث ، فذلك لأهله نحو وراثتهم إياه الموروث ذلك عنه من الرجال أو النساء . فقد علم بذلك أنه جل ثناؤه لم يحظر على عباده أن يرثوا النساء ما جعله لهم ميراثا عنهن ، وأنه إنما حظر أن يكرهن موروثات بمعنى حظر وراثة نكاحهن إذا كان ميتهم الذي ورثوه قد كان مالكا عليهن أمرهن في النكاح ملك الرجل منفعة ما استأجر من الدور والأرضين وسائر ما له منافع ، فأبان الله جل ثناؤه لعباده أن الذي يملكه الرجل منهم من بضع زوجته ، معناه غير معنى ما يملك أحدهم من منافع سائر المملوكات التي تجوز إجارتها ، فإن المالك بضع زوجته إذا هو مات لم يكن ما كان له ملكا من زوجته بالنكاح لورثته بعده ، كما لهم من الأشياء التي كان يملكها بشراء أو هبة أو إجارة بعد موته بميراثه ذلك عنه . وأما قوله تعالى :
وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ
فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله ، فقال بعضهم : تأويله :
وَلا تَعْضُلُوهُنَّ
عضل النساء أي ولا تحبسوا يا معشر ورثة من مات من الرجال أزواجهم عن نكاح من أردن نكاحه من الرجال كيما يمتن فتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ؛ أي فتأخذوا من أموالهم إذا متن ما كان موتاكم الذين ورثتموهن ساقوا إليهن من صدقاتهن . وممن قال ذلك جماعة قد ذكرنا بعضهم ، منهم ابن عباس ، والحسن البصري ، وعكرمة . وقال آخرون : بل معنى ذلك :
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 209 | محمد بن جرير الطبري