أموالكم ، فكذلك قوله :
وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ
دفع المال إلى السفهاء معناه : لا تؤتوا أيها الناس سفهاءكم أموالكم التي بعضها لكم وبعضها لهم ، فتضيعوها . وإذ كان ذلك كذلك ، وكان الله تعالى ذكره قد عم بالنهي عن إيتاء السفهاء الأموال كلها ، ولم يخصص منها شيئا دون شيء ، كان بينا بذلك أن معنى قوله :
الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً
إنما هو التي جعل الله لكم ولهم قياما ، ولكن السفهاء دخل ذكرهم في ذكر المخاطبين بقوله : " لكم " . وأما قوله :
الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً
فإن قياما وقيما وقواما في معنى واحد ، وإنما القيام أصله القوام ، غير أن القاف التي قبل الواو لما كانت مكسورة ، جعلت الواو ياء لكسرة ما قبلها ، كما يقال : صمت صياما ، وحلت حيالا ، ويقال منه : فلان قوام أهل بيته ، وقيام أهل بيته . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأ بعضهم : " التي جعل الله لكم قيما " بكسر القاف وفتح الياء بغير ألف . وقرأه آخرون :
قِياماً
بألف . قال محمد : والقراءة التي نختارها :
قِياماً
بالألف ، لأنها القراءة المعروفة في قراءة أمصار الإسلام ، وإن كانت الأخرى غير خطأ ولا فاسد . وإنما اخترنا ما اخترنا من ذلك ، لأن القراءات إذا اختلفت في الألفاظ واتفقت في المعاني ، فأعجبها إلينا ما كان أظهر وأشهر في قراءة أمصار الإسلام . وبنحو الذي قلناه في تأويل قوله :
قِياماً
قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا سعيد بن يحيى الأموي ، قال : ثنا ابن المبارك ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي مالك :
أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً
التي هي قوامك بعد الله . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً
فإن المال هو قيام الناس قوام معايشهم ، يقول : كنت أنت قيم أهلك ، فلا تعط امرأتك مالك ، فيكونوا هم الذين يقومون عليك حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله :
وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً
يقول الله سبحانه : لا تعمد إلى مالك وما خولك الله وجعله لك معيشة ، فتعطيه امرأتك أو بنيك ثم تنظر إلى ما في أيديهم ، ولكن أمسك مالك وأصلحه ، وكن أنت الذي تنفق عليهم في كسوتهم ورزقهم ومؤنتهم . قال : وقوله :
قِياماً
بمعنى : قوامكم في معايشكم . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن الحسن قوله :
قِياماً
قال : قيام عيشك . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا بكر بن شرود ، عن ابن مجاهد أنه قرأ :
الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً
بالألف ، يقول : قيام عيشك . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله :
أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً
قال : لا تعط السفيه من ولدك شيئا هو لك قيم من مالك .
وأما قوله :
وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ
فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله ؛ فأما الذين قالوا : إنما عنى الله جل ثناؤه بقوله :
وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ
أولياء السفهاء ، لا أموال السفهاء ، فإنهم قالوا : معنى ذلك نفقة السفهاء : وارزقوا أيها الناس سفهاءكم من نسائكم وأولادكم من أموالكم طعامهم ، وما لا بد لهم منه من مؤنهم وكسوتهم . وقد ذكرنا بعض قائلي ذلك فيما مضى ، وسنذكر من لم يذكر من قائليه . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : نفقة السفهاء أمروا أن يرزقوا سفهاءهم من أزواجهم وأمهاتهم وبناتهم من أموالهم . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ،