تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
يؤتيه ماله ، هو المستحق الحجر بتضييعه ماله وفساده وإفساده وسوء تدبيره ذلك . وإنا قلنا ما قلنا من أن المعني بقوله :
وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ
دفع المال إلى السفهاء هو من وصفنا دون غيره ، لأن الله جل ثناؤه قال في الآية التي تتلوها :
وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ
فأمر أولياء اليتامى بدفع أموالهم إليهم إذا بلغوا النكاح وأونس منهم الرشد ، وقد يدخل في اليتامى الذكور والإناث ، فلم يخصص بالأمر يدفع ما لهم من الأموال الذكور دون الإناث ، ولا الإناث دون الذكور . وإذا كان ذلك كذلك ، بمعلوم أن الذين أمر أولياؤهم بدفعهم أموالهم إليهم ، وأجيز للمسلمين مبايعتهم ، ومعاملتهم غير الذين أمر أولياؤهم بمنعهم أموالهم ، وحظر على المسلمين مداينتهم ومعاملتهم ، فإذا كان ذلك كذلك ، فبين أن السفهاء الذين نهى الله المؤمنين أن يؤتوهم أموالهم ، هم المستحقون الحجر ، والمستوجبون أن يولى عليهم أموالهم ، وهم من وصفنا صفتهم قبل ، وأن من عدا ذلك ، فغير سفيه ، لأن الحجر لا يستحقه من قد بلغ ، وأونس رشده . وأما قول من قال : عنى بالسفهاء النساء خاصة ، فإنه جعل اللغة على غير وجهها ، وذلك أن العرب لا تكاد تجمع فعيلا على فعلاء ، إلا في جمع الذكور ، أو الذكور والإناث ؛ وأما إذا أرادوا جمع الإناث خاصة لا ذكران معهم ، جمعوه على فعائل وفعيلات ، مثل غريبة تجمع غرائب وغريبات ؛ فأما الغرباء فجمع غريب . واختلف أهل التأويل في تأويل قوله :
أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ
فقال بعضهم : عنى بذلك : لا تؤتوا السفهاء من النساء والصبيان على ما ذكرنا من اختلاف من حكينا قوله قبل أيها الرشداء أموالكم التي تملكونها ، فتسلطوهم عليها فيفسدوها ويضيعوها دفع المال إلى السفهاء ، ولكن ارزقوهم أنتم منها ، إن كانوا ممن تلزمكم نفقته ، واكسوهم ، وقولوا لهم قولا معروفا . وقد ذكرنا الرواية عن جماعة ممن قال ذلك : منهم أبو موسى الأشعري ، وابن عباس ، والحسن ، ومجاهد ، قتادة ، وحضرمي ، وسنذكر قول الآخرين الذين لم يذكر قولهم فيما مضى قبل . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها
دفع المال إلى السفهاء يقول : لا تعط امرأتك وولدك مالك ، فيكونوا هم الذين يقومون عليك ، وأطعمهم من مالك واكسهم . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس :
وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً
دفع المال إلى السفهاء يقول : لا تسلط السفيه من ولدك على مالك ، وأمره أن يرزقه منه ويكسوه . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله :
وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ
دفع المال إلى السفهاء قال : لا تعط السفيه من مالك شيئا هو لك . وقال آخرون : بل معنى ذلك : ولا تؤتوا السفهاء أموالهم دفع المال إلى السفهاء ؛ ولكنه أضيف إلى الولاة لأنهم قوامها ومدبروها . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا سويد بن نصر ، قال : ثنا ابن المبارك ، عن شريك ، عن سالم ، عن سعيد بن جبير في قوله :
وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ
دفع المال إلى السفهاء قال : هم اليتامى ،
أَمْوالَكُمُ
قال : أموالهم ، بمنزلة قوله :
وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
وقد يدخل في قوله :
وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ
أموال المنهيين عن أن يؤتوهم ذلك ، وأموال السفهاء ، لأن قوله :
أَمْوالَكُمُ
غير مخصوص منها بعض الأموال دون بعض ، ولا تمنع العرب أن تخاطب قوما خطابا ، فيخرج الكلام بعضه خبر عنهم وبعضه عن غيب ، وذلك نحو أن يقولوا : أكلتم يا فلان أموالكم بالباطل فيخاطب الواحد خطاب الجمع بمعنى : أنك وأصحابك ، أو وقومك أكلتم