تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
ولي ، فإنه لا فرق بين ذلك . وفي إجماعهم على أنه غير جائز حيازة ما في يده في حال صحة عقله وإصلاح ما في يده ، الدليل الواضح على أنه غير جائز منع يده مما هو له في مثل ذلك الحال ، وإن كان قبل ذلك في يد غيره لا فرق بينهما . ومن فرق بين ذلك عكس عليه القول في ذلك ، وسئل الفرق بينهما منه أصل أو نظير ، فلن يقول في أحدهما قولا إلا ألزم في الآخر مثله . فإن كان ما وصفنا من الجميع إجماعا ، فبين أن الرشد الذي به يستحق اليتيم إذا بلغ فأونس منه دفع ماله إليه ، ما قلنا من صحة عقله وإصلاح ماله . القول في تأويل قوله تعالى :
فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ
. يعني بذلك تعالى ذكره : دفع مال اليتيم ولاة أموال اليتامى ، يقول الله لهم : فإذا بلغ أيتامكم الحلم ، فآنستم منهم عقلا وإصلاحا لأموالهم ، فادفعوا إليهم أموالهم ، ولا تحبسوها عنهم . وأما قوله :
وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً
يعني : بغير ما أباحه الله لكم . كما : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة والحسن :
وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً
يقول : لا تسرف فيها . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً
قال : يسرف في الأكل . وأصل الإسراف : تجاوز الحد المباح إلى ما لم يبح ، وربما كان ذلك في الإفراط ، وربما كان في التقصير ، غير أنه إذا كان في الإفراط ، فاللغة المستعملة فيه أن يقال : أسرف يسرف إسرافا ، وإذا كان كذلك في التقصير ، فالكلام منه : سرف يسرف سرفا ، يقال : مررت بكم فسرفتكم ، يراد منه : فسهوت عنكم وأخطأتكم ، كما قال الشاعر :
أعطوا هنيدة يحدوها ثمانية * ما في عطائهم من ولا سرف
يعني بقوله : ولا سرف : لا خطأ فيه ، يراد به : أنهم يصيبون مواضع العطاء فلا يخطئونها . القول في تأويل قوله تعالى :
وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا
. يعني جل ثناؤه بقوله :
وَبِداراً
ومبادرة ؛ وهو مصدر من قول القائل : بادرت هذا الأمر مبادرة وبدارا . وإنما يعني بذلك جل ثناؤه : ولاة أموال اليتامى ، يقول لهم : أكل ولي اليتيم لا تأكلوا أموالهم إسرافا ، يعني : ما أباح الله لكم أكله ، ولا مبادرة منكم بلوغهم ، وإيناس الرشد منهم حذرا أن يبلغوا فيلزمكم تسليمه إليهم . كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله :
إِسْرافاً وَبِداراً
يعني : أكل مال اليتيم مبادرا أن يبلغ فيحول بينه وبين ماله . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة والحسن :
وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً
يقول أكل ولي اليتيم : لا تسرف فيها ، ولا تبادر . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
وَبِداراً
تبادرا أن يكبروا ، فيأخذوا أموالهم . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله :
إِسْرافاً وَبِداراً
قال : هذه لولي اليتيم خاصة ، جعل له أن يأكل معه إذا لم يجد شيئا يضع يده معه ، فيذهب بوجهه أكل ولي اليتيم ، يقول : لا أدفع إليه ماله ، وجعلت تأكله تشتهي أكله ، لأنك إن لم تدفعه إليه لك فيه نصيب ، وإذا دفعته إليه فليس لك فيه نصيب . وموضع " أن " في قوله : " أن يكبروا " نصب بالمبادرة ، لأن معنى الكلام : لا تأكلوها مبادرة كبرهم . القول في تأويل قوله تعالى :
وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ
. يعني بقوله جل ثناؤه :
وَمَنْ كانَ غَنِيًّا
أكل ولي اليتيم من ولاة أموال