إياه ، وطاعتهم له فيما أمرهم ونهاهم
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ
يعني : ويعلمهم كتاب الله الذي أنزل عليه ، ويبين لهم تأويله ومعانيه ، والحكمة ويعني بالحكمة : السنة التي سنها الله جل ثناؤه للمؤمنين على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيانه لهم
وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ
يعني : إن كانوا من قبل أن يمن الله عليهم بإرساله رسوله الذي هذه صفته ، لفي ضلال مبين ، يقول : في جهالة جهلاء ، وفي حيرة عن الهدى عمياء ، لا يعرفون حقا ، ولا يبطلون باطلا . وقد بينا أصل الضلالة فيما مضى ، وأنه الأخذ على غير هدى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع والمبين : الذي يبين لمن تأمله بعقله وتدبره بفهمه أنه على غير استقامة ولا هدى . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ
من الله عليهم من غير دعوة ولا رغبة من هذه الأمة ، جعله الله رحمة لهم ، ليخرجهم من الظلمات إلى النور ، ويهديهم إلى صراط مستقيم قوله :
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ
الحكمة : السنة .
وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ
ليس والله كما تقول أهل حروراء : محنة غالبة من أخطأها أهريق دمه ، ولكن الله بعث نييه صلى الله عليه وسلم إلى قوم لا يعلمون فعلمهم ، وإلى قوم لا أدب لهم فأدبهم . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال :
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
إلى قوله
لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ
أي لقد من الله عليكم يا أهل الإيمان إذ بعث فيكم رسولا من أنفسكم ، يتلو عليكم آياته ، ويزكيكم فيما أخذتم ، وفيما علمتم ، ويعلمكم الخير والشر ، لتعرفوا الخير فتعملوا به ، والشر فتتقوه ، ويخبركم برضاه عنكم إذ أطعتموه ، لتستكثروا من طاعته ، وتجتنبوا ما سخط منكم من معصيته ، فتتخلصوا بذلك من نقمته ، وتدركوا بذلك ثوابه من جنته .
وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ
أي في عمياء من الجاهلية لا تعرفون حسنة ، ولا تستغيثون من سيئة ، صم عن الحق ، عمي عن الهدى . القول في تأويل قوله تعالى :
أَ وَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
يعني تعالى ذكره بذلك : أو حين أصابتكم أيها المؤمنون مصيبة ، وهي القتلى الذين قتلوا منهم يوم أحد ، والجرحى الذين جرحوا منهم بأحد ، وكان المشركون قتلوا منهم يومئذ سبعين نفرا .
قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها
يقول : قد أصبتم أنتم أيها المؤمنون من المشركين مثلي هذه المصيبة التي أصابوا هم منكم ، وهي المصيبة التي أصابها المسلمين من المشركين ببدر ، وذلك أنهم قتلوا منهم سبعين ، وأسروا سبعين .
قُلْتُمْ أَنَّى هذا
يعني : قلتم لما أصابتكم مصيبتكم بأحد :
أَنَّى هذا
من أي وجه هذا ، ومن أين أصابنا هذا الذي أصابنا ، ونحن مسلمون ، وهم مشركون ، وفينا نبي الله صلى الله عليه وسلم ، يأتيه الوحي من السماء ، وعدونا أهل كفر بالله وشرك ؟ قل يا محمد للمؤمنين بك من أصحابك :
هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ
يقول : قل لهم : أصابكم هذا الذي أصابكم من عند أنفسكم ، بخلافكم أمري ، وترككم طاعتي ، لا من عند غيركم ، ولا من قبل أحد سواكم .
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
يقول : إن الله على جميع ما أراد بخلقه من عفو وعقوبة وتفضل وانتقام قدير ، يعني : ذو قدرة . ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله :
قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ
بعد إجماع جميعهم على أن تأويل سائر الآية على ما قلنا في ذلك من التأويل ، فقال بعضهم : تأويل ذلك : قل هو من عند أنفسكم ، بخلافكم على نبي الله صلى الله عليه وسلم ، إذ أشار عليكم بترك الخروج إلى عدوكم والإصحار لهم ، حتى يدخلوا عليكم مدينتكم ، ويصيروا بين آطامكم ، فأبيتم ذلك عليه ، وقلتم : أخرج بنا إليهم حتى نصحر لهم فنقاتلهم خارج المدينة . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ،