تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ
قال : من أدى الخمس .
كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ
فاستوجب سخطا من الله . وقال آخرون في ذلك بما : حدثني به ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق :
أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ
على ما أحب الناس وسخطوا ،
كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ
لرضا الناس وسخطهم ؟ يقول : أفمن كان على طاعتي ، فثوابه الجنة ورضوان من ربه ، كمن باء بسخط من الله ، فاستوجب غضبه ، وكان مأواه جهنم وبئس المصير ؟ أسوأ المثلان ؟ أي فاعرفوا . وأولى التأويلين بتأويل الآية عندي ، قول الضحاك بن مزاحم ؛ لأن ذلك عقيب وعيد الله على الغلول ونهيه عباده عنه ، ثم قال لهم بعد نهيه عن ذلك ووعيده ، أسواء المطيع لله فيما أمره ونهاه ، والعاصي له في ذلك : أي أنهما لا يستويان ولا تستوي حالتاهما عنده ، لأن لمن أطاع الله فيما أمره ونهاه : الجنة ، ولمن عصاه فيما أمره ونهاه : النار . فمعنى قوله :
أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ
إذا : أفمن ترك الغلول وما نهاه الله عنه عن معاصيه وعمل بطاعة الله في تركه ذلك وفي غيره مما أمره به ونهاه من فرائضه ، متبعا في كل ذلك رضا الله ، ومجتنبا سخطه ،
كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ
يعني : كمن انصرف متحملا سخط الله وغضبه ، فاستحق بذلك سكنى جهنم ، يقول : ليسا سواء . وأما قوله :
وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
فإنه يعني : وبئس المصير الذي يصير إليه ويئوب إليه من باء بسخط من الله جهنم . القول في تأويل قوله تعالى :
هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ
يعني تعالى ذكره بذلك : أن من اتبع رضوان الله ، ومن باء بسخط من الله مختلفو المنازل عند الله ، فلمن اتبع رضوان الله الكرامة والثواب الجزيل ، ولمن باء بسخط من الله المهانة والعقاب الأليم . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق :
هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ
أي لكل درجات مما عملوا في الجنة والنار ، إن الله لا يخفى عليه أهل طاعته من أهل معصيته . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أبو جعفر ، عن ابن عباس :
هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ
يقول : بأعمالهم . وقال آخرون : معنى ذلك لهم درجات عند الله ، يعني : لمن اتبع رضوان الله منازل عند الله كريمة . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله :
هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ
قال : هي كقوله لهم درجات عند الله . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ
يقول : لهم درجات عند الله . وقيل قوله :
هُمْ دَرَجاتٌ
كقول القائل : هم طبقات ، كما قال ابن هرمة :
أإن حم المنون يكون قوم * لريب الدهر أم درج السيول
وأما قوله :
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ
فإنه يعني : والله ذو علم بما يعمل أهل طاعته ومعصيته ، لا يخفى عليه من أعمالهم شيء ، يحصي على الفريقين جميعا أعمالهم ، حتى توفى كل نفس منهم جزاء ما كسبت من خير وشر . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق :
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ
يقول : إن الله لا يخفى عليه أهل طاعته من أهل معصيته .
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ
يعني بذلك : لقد تطول الله على المؤمنين ، إذ بعث فيهم رسولا ، حين أرسل فيهم رسولا من أنفسهم ، نبيا من أهل لسانهم ، ولم يجعله من غير أهل لسانهم فلا يفقهوا عنه ما يقول
يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ
يقول : يقرأ عليهم آي كتابه وتنزيله .
وَيُزَكِّيهِمْ
يعني : يطهرهم من ذنوبهم باتباعهم