تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
كان لنبي أن يغل " قال : أن يغله أصحابه . حدثنا عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، قوله : " وما كان لنبي أن يغل " قال الربيع بن أنس ، يقول : ما كان لنبي أن يغله أصحابه الذين معه ، قال : ذكر لنا والله أعلم أن هذه الآية أنزلت على نبي الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ، وقد غل طوائف من أصحابه نبي الله صلى الله عليه وسلم . وقال آخرون منهم : معنى ذلك : وما كان لنبي أن يتهم بالغلول فيخون ويسرق . وكأن متأولي ذلك كذلك وجهوا قوله : " وما كان لنبي أن يغل " إلى أنه مراد به يغلل ، ثم خففت العين من يفعل فصارت يفعل ، كما قرأ من قرأ قوله : " فإنهم لا يكذبونك " بتأول يكذبونك . وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندي قراءة من قرأ :
وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ
بمعنى : ما الغلول من صفات الأنبياء ، ولا يكون نبيا من غل . وإنما اخترنا ذلك ، لأن الله عز وجل أوعد عقيب قوله :
وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ
أهل الغلول ، فقال :
وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ
الآية ، والتي بعدها ، فكان في وعيده عقيب ذلك أهل الغلول ، الدليل الواضح على أنه إنما نهى بذلك عن الغلول ، وأخبر عباده أن الغلول ليس من صفات أنبيائه بقوله :
وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ
لأنه لو كان إنما نهى بذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغلول ، لعقب ذلك بالوعيد على التهمة ، وسوء الظن برسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا بالوعيد على الغلول ، وفي تعقيبه ذلك بالوعيد على الغلول بيان بين ، أنه إنما عرف المؤمنين وغيرهم من عباده أن الغلول منتف من صفة الأنبياء وأخلاقهم ، لأن ذلك جرم عظيم ، والأنبياء لا تأتي مثله . فإن قال قائل ممن قرأ ذلك كذلك : فأولى منه وما كان لنبي أن يخونه أصحابه إن ذلك كما ذكرت ، ولم يعقب الله قوله :
وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ
إلا بالوعيد على الغلول ، ولكنه إنما وجب الحكم بالصحة لقراءة من قرأ : " يغل " بضم الياء وفتح الغين ، لأن معنى ذلك : وما كان للنبي أن يغله أصحابه ، فيخونوه في الغنائم ؛ قيل له : أفكان لهم أن يغلوا غير النبي صلى الله عليه وسلم فيخونوه ، حتى خصوا بالنهي عن خيانة النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن قالوا : نعم ، خرجوا من قول أهل الإسلام ، لأن الله لم يبح خيانة أحد في قول أحد من أهل الإسلام قط . إن قال قائل : لم يكن ذلك لهم في نبي ولا غيره ؟ قيل : فما وجه خصوصهم إذا بالنهي عن خيانة النبي صلى الله عليه وسلم وغلوله وغلول بعض اليهود ، بمنزلة فيما حرم الله على الغال من أموالهما ، وما يلزم المؤتمن من أداء الأمانة إليهما . وإذا كان ذلك كذلك ، فمعلوم أن معنى ذلك هو ما قلنا من أن الله عز وجل نفى بذلك أن يكون الغلول والخيانة من صفات أنبيائه ، ناهيا بذلك عباده عن الغلول ، وآمرا لهم بالاستنان بمنهاج نبيهم ، كما قال ابن عباس في الرواية التي ذكرناها من رواية عطية لم يتقدم هذا الراوي ثم عقب تعالى ذكره نهيهم عن الغلول بالوعيد عليه ، فقال :
وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ
الآيتين معا . القول في تأويل قوله تعالى :
وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ
يعني بذلك تعالى ذكره : ومن يخن من غنائم المسلمين شيئا ، وفيئهم ، وغير ذلك ، يأت به يوم القيامة في المحشر . كما : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن فضيل ، عن يحيى بن سعيد أبي حيان ، عن أبي زرعة ، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه قام خطيبا ، فوعظ وذكر ، ثم قال : " ألا عسى رجل منكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء ، يقول : يا رسول الله أغثني ، فأقول : لا أملك لك شيئا ، قد أبلغتك ألا هل عسى رجل منكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة ، يقول : يا رسول الله أغثني ، فأقول : لا أملك لك شيئا قد أبلغتك . ألا هل عسى رجل منكم يجيء