تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
قال : سموا بذلك لبياض ثيابهم ، ولأنهم كانوا غسالين ، وذلك أن الحور عند العرب : شدة البياض ، ولذلك سمي الحوارى من الطعام حواري لشدة بياضه ، ومنه قيل للرجل الشديد البياض مقلة العينين أحور ، وللمرأة حوراء ، وقد يجوز أن يكون حواريو عيسى كانوا سموا بالذي ذكرنا من تبييضهم الثياب ، وأنهم كانوا قصارين ، فعرفوا بصحبة عيسى واختياره إياهم لنفسه أصحابا وأنصارا ، فجرى ذلك الاسم لهم واستعمل ، حتى صار كل خاصة للرجل من أصحابه وأنصاره حواريه ؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لكل نبي حواري ، وحواري الزبير " يعني خاصته . وقد تسمي العرب النساء اللواتي مساكنهن القرى والأمصار حواريات ، وإنما سمين بذلك لغلبة البياض عليهن ، ومن ذلك قول أبي خلدة اليشكري :
فقل للحواريات يبكين غيرنا * ولاتبكينا إلا الكلاب النوابح
ويعني بقوله :
قالَ الْحَوارِيُّونَ
قال : هؤلاء الذين صفتهم ما ذكرنا من تبييضهم الثياب : أمنا بالله ، صدقنا بالله ، واشهد أنت يا عيسى بأننا مسلمون . وهذا خبر من الله عز وجل أن الإسلام دينه الذي ابتعث به عيسى والأنبياء قبله ، لا النصرانية ولا اليهودية ، وتبرئة من الله لعيسى ممن انتحل النصرانية ودان بها ، كما برأ إبراهيم من سائر الأديان غير الإسلام ، وذلك احتجاج من الله تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم على وفد نجران . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ
والعدوان ،
قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ
وهذا قولهم الذي أصابوا به الفضل من ربهم ، واشهد بأنا مسلمون ، لا كما يقول هؤلاء الذين يحاجونك فيه ، يعني وفد نصارى نجران . القول في تأويل قوله تعالى :
رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ
وهذا خبر من الله عز وجل عن الحواريين أنهم قالوا :
رَبَّنا آمَنَّا
أي صدقنا
بِما أَنْزَلْتَ
يعني : بما أنزلت على نبيك عيسى من كتابك
وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ
يعني بذلك : صرنا أتباع عيسى على دينك الذي ابتعثته به وأعوانه ، على الحق الذي أرسلته به إلى عبادك . وقوله :
فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ
يقول : فأثبت أسماءنا مع أسماء الذين شهدوا بالحق ، وأقروا لك بالتوحيد ، وصدقوا رسلك ، وأتبعوا أمرك ونهيك ، فاجعلنا في عدادهم ومعهم فيما تكرمهم به من كرامتك ، وأحلنا محلهم ، ولا تجعلنا ممن كفر بك ، وصد عن سبيلك ، وخالف أمرك ونهيك ، يعرف خلقه جل ثناؤه بذلك سبيل الذين رضي أقوالهم وأفعالهم ، ليحتذوا طريقهم ، ويتبعوا منهاجهم ، فيصلوا إلى مثل الذي وصلوا إليه من درجات كرامته ، ويكذب بذلك الذين انتحلوا من الملل غير الحنيفية المسلمة في دعواهم على أنبياء الله أنهم كانوا على غيرها ، ويحتج به على الوفد الذين حاجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجران بأنه قيل من رضي الله عنه من أتباع عيسى