جعفر بن الزبير :
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ
تبريا من الذي يقولون فيه ، يعني ما يقول فيه النصارى واحتجاجا لربه عليهم ، فاعبدوه ، و
هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ
أي الذي هذا قد حملتكم عليه وجئتكم به . واختلفت القراء في قراءة قوله :
إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ
فقرأته عامة قراء الأمصار :
إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ
بكسر ألف " إن " على ابتداء الخبر ، وقرأه بعضهم : " أن الله ربي وربكم " بفتح ألف " أن " بتأويل : وجئتكم بآية من ربكم أن الله ربي وربكم ، على رد أن على الآية ، والإبدال منها . والصواب من القراءة عندنا ما عليه قراء الأمصار ، وذلك كسر ألف " إن " على الابتداء ، لإجماع الحجة من القراء على صحة ذلك ، وما اجتمعت عليه فحجة ، وما انفرد به المنفرد عنها فرأي ، ولا يعترض بالرأي على الحجة . وهذه الآية ، وإن كان ظاهرها خبرا ، ففيه الحجة البالغة من الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم على الوفد الذين حاجوه من أهل نجران بإخبار الله عز وجل ، عن أن عيسى كان بريئا مما نسبه إليه من نسبه ، غير الذي وصف به نفسه ، من أنه لله عبد كسائر عبيده من أهل الأرض إلا ما كان الله جل ثناؤه خصه به من النبوة والحجج التي آتاه دليلا على صدقه ، كما آتى سائر المرسلين غيره من الأعلام والأدلة على صدقهم ، والحجة على نبوتهم . القول في تأويل قوله تعالى :
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
يعني بقوله جل ثناؤه :
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ
فلما وجد عيسى منهم الكفر . والإحساس : هو الوجود ، ومنه قول الله عز وجل :
هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ
فأما الحس بغير ألف ، فهو الإفناء والقتل ، ومنه قوله :
إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ
والحس أيضا : العطف والرقة . ومنه قول الكميت :
هل من بكى الدار راج أن تحس له * أو يبكي الدار ماء العبرة الخضل
يعني بقوله : أن تحس له : أن ترق له . فتأويل الكلام : فلما وجد عيسى من بني إسرائيل الذين أرسله الله إليهم جحودا لنبوته ، وتكذيبا لقوله ، وصدا عما دعاهم إليه من أمر الله ، قال :
مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ
يعني بذلك : قال عيسى :
من أعواني على المكذبين بحجة الله ، والمولين عن دينه ، والجاحدين نبوة نبيه إلى الله عز وجل ، ويعني بقوله
إِلَى اللَّهِ
مع الله ، وإنما حسن أن يقال إلى الله ، بمعنى : مع الله ، لأن من شأن العرب إذا ضموا الشيء إلى غيره ، ثم أرادوا الخبر عنهما بضم أحدهما مع الآخر إذا ضم إليه جعلوا مكان مع إلى أحيانا ، وأحيانا تخبر عنهما بمع ، فتقول الذود إلى الذود إبل ، بمعنى : إذا ضممت الذود إلى الذود صارت إبلا ، فأما إذا كان الشيء مع الشيء لم يقولوه بإلى ولم يجعلوا مكان مع إلى غير جائز أن يقال : قدم فلان وإليه مال ، بمعنى : ومعه مال . وبمثل ما قلنا في تأويل قوله :
مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ
قال جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد