تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
من ذكرت الشيء ، يراد به يذتخر ، فلما اجتمعت الذال والتاء وهما متقاربتا المخرج ، ثقل إظهارهما على اللسان ، فأدغمت إحداهما في الأخرى وصيرتا دالا مشددة صيروها عدلا بين الذال والتاء ، ومن العرب من يغلب الذال على التاء فيدغم التاء في الذال ، فيقول : وما تذخرون وهو مذخر لك ، وهو مذكر ، واللغة التي بها القراءة الأولى تدخرون ، وذلك إدغام الذال في التاء ، وإبدالهما دالا مشددة لا يجوز القراءة بغيرها لتظاهر النقل من القراء بها ، وهو اللغة الجودي ، كما قال زهير :
إن الكريم الذي يعطيك نائله * عفوا ويظلم أحيانا فيظلم
يروى بالظاء ، يريد : فيفتعل من الظلم ، ويروى بالطاء أيضا . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
يعني بذلك جل ثناؤه : إن في خلقي من الطين الطير بإذن الله ، وفي إبرائي الأكمه والأبرص ، وإحيائي الموتى ، وإنبائي إياكم بما تأكلون ، وما تدخرون في بيوتكم ، ابتداء من غير حساب وتنجيم ، ولا كهانة وعرافة ، لعبرة لكم ، ومتفكرا تتفكرون في ذلك ، فتعتبرون به أني محق في قولي لكم : إني رسول من ربكم إليكم ، وتعلمون به أني فيما أدعوكم إليه من أمر الله ونهيه صادق ، إن كنتم مؤمنين ، يعني : إن كنتم مصدقين حجج الله وآياته ، مقرين بتوحيده ونبيه موسى ، والتوراة التي جاءكم بها . القول في تأويل قوله تعالى :
وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ
يعني بذلك جل ثناؤه : وبأني قد جئتكم بأية من ربكم ، وجئتكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ، ولذلك نصب " مصدقا " على الحال من جئتكم . والذي يدل على أنه نصب على قوله وجئتكم دون العطف على قوله : " وجيها " ، قوله :
لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ
ولو كان عطفا على قوله : ووجيها " ، لكان الكلام : ومصدقا لما بين يديه من التوراة ، وليحل لكم بعض الذي حرم عليكم . وإنما قيل :
وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ
لأن عيسى صلوات الله عليه كان مؤمنا بالتوراة مقرا بها ، وأنها من عند الله ، وكذلك الأنبياء كلهم يصدقون بكل ما كان قبلهم من كتب الله ورسله ، وإن اختلف بعض شرائع أحكامهم لمخالفة الله بينهم في ذلك ، مع أن عيسى كان فيما بلغنا عاملا بالتوراة ، لم يخالف شيئا من أحكامها إلا ما خفف الله عن أهلها في الإنجيل مما كان مشددا عليهم فيها . كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الكريم ، قال : ثني عبد الصمد بن معقل ، أنه سمع وهب بن منبه يقول : إن عيسى كان على شريعة موسى صلى الله عليهما وسلم ، وكان يسبت ويستقبل بيت المقدس ، فقال لبني إسرائيل : إني لم أدعكم إلى خلاف حرف مما في التوراة إلا