والأيام ، من صغر إلى كبر ، ومن حال إلى حال ، وأنه لو كان كما قال الملحدون فيه ، كان ذلك غير جائز عليه ، فكذب بذلك ما قاله الوفد من أهل نجران ، الذين حاجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ، واحتج به عليهم لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأعلمهم أنه كان كسائر بني آدم ، إلا ما خصه الله به من الكرامة التي أبانه بها منهم . كما :
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير :
وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ
يخبرهم بحالاته التي يتقلب بها في عمره كتقلب بني آدم في أعمارهم صغارا وكبارا ، إلا أن الله خصه بالكلام في مهده آية لنبوته ، وتعريفا للعباد مواقع قدرته . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة :
وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ
يقول : يكلمهم صغيرا وكبيرا . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، الربيع
وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا
قال :
يكلمهم صغيرا وكبيرا . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ
قال : الكهل : الحليم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : كلمهم صغيرا وكبيرا وكهلا . وقال ابن جريج ، وقال مجاهد : الكهل : الحليم . حدثني محمد بن سنان ، قال : ثنا أبو بكر الحنفي ، عن عباد ، عن الحسن في قوله :
وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا
قال : كلمهم في المهد صبيا ، وكلمهم كبيرا . وقال آخرون : معنى قوله :
وَكَهْلًا
إنه سيكلمهم إذا ظهر . ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : سمعته يعني ابن زيد يقول في قوله :
وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا
قال : قد كلمهم عيسى في المهد ، وسيكلمهم إذا قتل الدجال ، وهو يومئذ كهل . ونصب كهلا عطفا على موضع :
ويكلم الناس . وأما قوله :
وَمِنَ الصَّالِحِينَ
فإنه يعني : من عدادهم وأوليائهم لأن أهل الصلاح بعضهم من بعض في الدين والفضل . القول في تأويل قوله تعالى :
قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
يعني بذلك جل ثناؤه : قالت مريم إذ قالت لها الملائكة : إن الله يبشرك بكلمة منه : رب أنى يكون لي ولد : من أي وجه يكون لي ولد ؟ أمن قبل زوج أتزوجه وبعل أنكحه ؟ أو تبتدئي في خلقه من غير بعل ولا فحل ، ومن غير أن يمسني بشر ؟ فقال الله لها :
كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ
يعني : هكذا يخلق الله منك ولدا لك من غير أن يمسك بشر ، فيجعله آية للناس وعبرة ، فإنه يخلق ما يشاء ، ويصنع ما يريد ، فيعطي الولد من شاء من غير فحل ومن فحل ، ويحرم ذلك من يشاء من النساء وإن كانت ذات بعل ، لأنه لا يتعذر عليه خلق شيء أراد خلقه ، إنما هو أن يأمر إذا أراد شيئا ما أراد ، فيقول له