تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
الموضع . القول في تأويل قوله تعالى :
وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ
يعني بذلك جل ثناؤه : وما كنت يا محمد عند قوم مريم ، إذ يختصمون فيها أيهم أحق بها وأولى ، وذلك من الله عز وجل وإن كان خطابا لنبيه صلى الله عليه وسلم ، فتوبيخ منه عز وجل للمكذبين به من أهل الكتابين ، يقول : كيف يشك أهل الكفر بك منهم ، وأنت تنبئهم هذه الأنباء ولم تشهدها ، ولم تكن معهم يوم فعلوا هذه الأمور ، ولست ممن قرأ الكتب فعلم نبأهم ، ولا جالس أهلها فسمع خبرهم . كما حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير :
وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ
أي ما كنت معهم إذ يختصمون فيها يخبره بخفي ما كتموا منه من العلم عندهم ، لتحقيق نبوته والحجة عليهم ، لما يأتيهم به مما أخفوا منه . القول في تأويل قوله تعالى :
إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ
يعني بقوله جل ثناؤه :
إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ
وما كنت لديهم إذ يختصمون ، وما كنت لديهم أيضا إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك . والتبشير إخبار المرء بما يسره من خبر . وقوله :
بِكَلِمَةٍ مِنْهُ
يعني : برسالة من الله ، وخبر من عنده ، وهو من قول القائل ألقى فلان إلي كلمة سرني بها ، بمعنى : أخبرني خبرا فرحت به ، كما قال جل ثناؤه :
وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ
يعني بشرى الله مريم بعيسى ألقاها إليها . فتأويل الكلام : وما كنت يا محمد عند القوم إذ قالت الملائكة لمريم : يا مريم إن الله يبشرك ببشرى من عنده ، هي ولد لك ، اسمه المسيح عيسى ابن مريم . وقد قال قوم ، وهو قول قتادة : إن الكلمة التي قال الله عز وجل بكلمة منه ، هو قوله : " كن " . حدثنا بذلك الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة قوله :
بِكَلِمَةٍ مِنْهُ
قال : قوله " كن " . فسماه الله عز وجل كلمته ، لأنه كان عن كلمته ، كما يقال لما قدر الله من شيء : هذا قدر الله وقضاؤه ، يعنى به : هذا عن قدر الله وقضائه حدث ، وكما قال جل ثناؤه :
وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا
يعني به : ما أمر الله به ، وهو المأمور الذي كان عن أمر الله عز وجل . وقال آخرون : بل هي اسم لعيسى سماه الله بها كما سمى سائر خلقه بما شاء من الأسماء . وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : الكلمة : هي عيسى . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله :
إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ
قال : عيسى هو الكلمة من الله . وأقرب الوجوه إلى الصواب عندي القول الأول : وهو أن الملائكة بشرت مريم بعيسى عن الله عز وجل برسالته وكلمته التي أمرها أن تلقيها إليها ، أن الله خالق منها ولدا من غير بعل ولا فحل ، ولذلك قال عز وجل :
اسْمُهُ الْمَسِيحُ
فذكر ، ولم يقل اسمها فيؤنث ، والكلمة مؤنثة ، لأن الكلمة غير مقصود بها قصد الاسم
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 185 | محمد بن جرير الطبري