تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
وجاهة ، وإن له لوجها عند السلطان ، وجاها ووجاهة . والجاه : مقلوب قلبت واوه من أوله إلى موضع العين منه ، فقيل جاه ، وإنما هو وجه وفعل من الجاه : جاه يجو ، مسموع من العرب : أخاف أن يجوهني بأكثر من هذا ، بمعنى : أن يستقبلني في وجهي بأعظم منه . وأما نصب الوجيه فعلى القطع من عيسى ، لأن عيسى معرفة ، ووجيه نكرة ، وهو من نعته ، ولو كان مخفوضا على الرد على الكلمة كان جائزا . وكما قلنا من أن تأويل ذلك وجيها في الدنيا والآخرة عند الله ، قال فيما بلغنا محمد بن جعفر . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير :
وَجِيهاً
قال : وجيها في الدنيا والآخرة عند الله . وأما قوله :
وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ
فإنه يعني : أنه ممن يقربه الله يوم القيامة ، فيسكنه في جواره ، ويدنيه منه . كما : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ
يقول : من المقربين عند الله يوم القيامة . حدثت عن عمار بن الحسن ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، قوله :
وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ
يقول : من المقربين عند الله يوم القيامة . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، مثله . القول في تأويل قوله تعالى :
وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ
أما قوله :
وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ
فإن معناه : أن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم ، وجيها عند الله ، ومكلما الناس في المهد . ف " يكلم " وإن كان مرفوعا ، لأنه في صورة " يفعل " بالسلامة من العوامل فيه ، فإنه في موضع نصب ، وهو نظير قول الشاعر :
بت أعشيها بعضب باتر * يقصد في أسواقها وجائر
وأما المهد : فإنه يعني به مضجع الصبي في رضاعه . كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس :
وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ
قال : مضجع الصبي في رضاعه . وأما قوله :
وَكَهْلًا
فإنه ومحتنكا فوق الغلومة ودون الشيخوخة ، يقال منه : رجل كهل ، وامرأة كهلة ، كما قال الراجز :
ولا أعود بعدها كريا * أمارس الكهلة والصبيا
وإنما عنى جل ثناؤه بقوله :
وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا
ويكلم الناس طفلا في المهد ، دلالة على براءة أمه مما قذفها به المفترون عليها ، وحجة له على نبوته ، وبالغا كبيرا بعد احتناكه بوحي الله الذي يوحيه إليه ، وأمره ونهيه ، وما تقول عليه من كتابه . وإنما أخبر الله عز وجل عباده بذلك من أمر المسيح ، وأنه كذلك كان ، وإن كان الغالب من أمر الناس أنهم يتكلمون كهولا وشيوخا ، احتجاجا به على القائلين فيه من أهل الكفر بالله من النصارى بالباطل ، وإنه كان في معاناة أشياء مولودا طفلا ، ثم كهلا يتقلب في الأحداث ، ويتغير بمرور الأزمنة عليه