تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
الذي هو بمعنى فلان ، وإنما هي بمعنى البشارة ، فذكرت كنايتها كما تذكر كناية الذرية والدابة والألقاب ، على ما قد بيناه قبل فيما مضى . فتأويل ذلك كما قلنا آنفا ، من أن معنى ذلك : إن الله يبشرك ببشرى ، ثم بين عن البشرى ، أنها ولد اسمه المسيح . وقد زعم بعض نحويي البصرة ، أنه إنما ذكر فقال :
اسْمُهُ الْمَسِيحُ
وقد قال :
بِكَلِمَةٍ مِنْهُ
والكلمة عنده : هي عيسى ، لأنه في المعنى كذلك ، كما قال جل ثناؤه :
أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى
ثم قال :
بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها
وكما يقال : ذو الثدية ، لأن يده كانت قصيرة قريبة من ثدييه فجعلها كأن اسمها ثدية ، ولولا ذلك لم تدخل الهاء في التصغير . وقال بعض نحويي الكوفة نحو قول من ذكرنا من نحويي البصرة ، في أن الهاء من ذكر الكلمة ، وخالفه في المعنى الذي من أجله ذكر قوله
اسْمُهُ
والكلمة متقدمة قبله ، فزعم أنه إنما قيل اسمه ، وقد قدمت الكلمة ، ولم يقل اسمها ، لأن من شأن العرب أن تفعل ذلك فيما كان من النعوت والألقاب والأسماء التي لم توضع لتعريف المسمى به كفلان وفلان ، وذلك مثل الذرية والخليفة والدابة ، ولذلك جاز عنده أن يقال : ذرية طيبة ، وذرية طيبا ؛ ولم يجز أن يقال : طلحة أقبلت ، ومغيرة قامت . وأنكر بعضهم اعتلال من اعتل في ذلك بذي الثدية ، وقالوا : إنما أدخلت الهاء في ذي الثدية لأنه أريد بذلك : القطعة من الثدي ، كما قيل : كنا في لحمة ونبيذة ، يراد به : القطعة منه . وهذا القول نحو قولنا الذي قلناه في ذلك . وأما قوله :
اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ
فإنه جل ثناؤه أنبأ عباده عن نسبة عيسى ، وأنه ابن أمه مريم ، ونفى بذلك عنه ما أضاف إليه الملحدون في الله جل ثناؤه من النصارى ، من إضافتهم بنوته إلى الله عز وجل ، وما قذفت أمه به المفترية عليها من اليهود . كما : حدثني به ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير :
إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ
أي هكذا كان أمره ، لا ما يقولون فيه . وأما المسيح ، فإنه فعيل ، صرف من مفعول إلى فعيل ، وإنما هو ممسوح ، يعني : مسحه الله فطهره من الذنوب ، ولذلك قال إبراهيم : المسيح الصديق . وقال آخرون : المسيح مسح بالبركة حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي عن سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ، مثله . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا ابن المبارك ، عن سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ، مثله . حدثنا ابن البرقي ، قال : ثنا عمرو بن أبي سلمة ، قال : قال سعيد : إنما سمي المسيح ، لأنه مسح بالبركة . القول في تأويل قوله تعالى :
وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
يعني بقوله " وجيها " : ذا وجه ومنزلة عالية عند الله وشرف وكرامة ، ومنه يقال للرجل الذي يشرف وتعظمه الملوك والناس : وجيه ؛ يقال منه : ما كان فلان وجيها ، ولقد وجه
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 186 | محمد بن جرير الطبري