تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً
ثم جمع جميع ذلك تعالى ذكره بقوله ذلك ، فقال : هذه الأنباء من أنباء الغيب : أي من أخبار الغيب . ويعني بالغيب ، أنها من خفي أخبار القوم التي لم تطلع أنت يا محمد عليها ولا قومك ، ولم يعلمها إلا قليل من أحبار أهل الكتابين ورهبانهم ثم أخبر تعالى ذكره نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أنه أوحى ذلك إليه حجة على نبوته ، وتحقيقا لصدقه ، وقطعا منه به عذر منكري رسالته من كفار أهل الكتابين الذين يعلمون أن محمدا لم يصل إلى علم هذه الأنباء مع خفائها ولم يدرك معرفتها مع خمولها عند أهلها إلا بإعلام الله ذلك إياه ، إذ كان معلوما عندهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم أمي لا يكتب فيقرأ الكتب فيصل إلى علم ذلك من قبل الكتب ، ولا صاحب أهل الكتاب فيأخذ علمه من قبلهم . وأما الغيب : فمصدر من قول القائل : غاب فلان عن كذا ، فهو يغيب عنه غيبا وغيبة . وأما قوله :
نُوحِيهِ إِلَيْكَ
فإن تأويله : ننزله إليك ، وأصل الإيحاء : إلقاء الموحي إلى الموحى إليه ، وذلك قد يكون بكتاب وإشارة وإيماء وبإلهام وبرسالة ، كما قال جل ثناؤه :
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ
بمعنى : ألقى ذلك إليها فألهمها ، وكما قال :
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ
بمعنى : ألقيت إليهم علم ذلك إلهاما ، وكما قال الراجز :
أوحى لها القرار فاستقرت
بمعنى : ألقى إليها ذلك أمرا ، وكما قال جل ثناؤه :
فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا
بمعنى : فألقى ذلك إليهم أيضا ، والأصل فيه ما وصفت من إلقاء ذلك إليهم . وقد يكون إلقاؤه ذلك إليهم إيماء ، ويكون بكتاب ، ومن ذلك قوله :
وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ
يلقون إليهم ذلك وسوسة ، وقوله :
وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ
ألقي إلي بمجيء جبريل عليه السلام به إلي من عند الله عز وجل . وأما الوحي : فهو الواقع من الموحي إلى الموحى إليه ، ولذلك سمت العرب الخط والكتاب وحيا ، لأنه واقع فيما كتب ثابت فيه ، كما قال كعب بن زهير :
أتى العجم والآفاق منه قصائد * بقين بقاء الوحي في الحجر الأصم
يعني به الكتاب الثابت في الحجر . وقد يقال في الكتاب خاصة إذا كتبه الكاتب وحي ، بغير ألف ، ومنه قول رؤبة :
كأنه بعد رياح تدهمه * ومرثعنات الدجون تثمه
إنجيل أحبار وحي منمنمه
القول في تأويل قوله تعالى :
وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ
يعني جل ثناؤه بقوله :
وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ
وما كنت يا محمد عندهم ، فتعلم ما نعلمكه من أخبارهم التي لم تشهدها ، ولكنك إنما تعلم ذلك فتدرك معرفته بتعريفناكه . ومعنى قوله
لَدَيْهِمْ
عندهم ، ومعنى قوله
إِذْ يُلْقُونَ
حين يلقون أقلامهم . وأما