والمتشابه منه : ما احتمل من التأويل أوجها . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، قال : ثني محمد بن جعفر بن الزبير :
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ
فيهن حجة الرب ، وعصمة العباد ، ودفع الخصوم والباطل ، ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعت عليه . وأخر متشابهة في الصدق ، لهن تصريف وتحريف وتأويل ، ابتلى الله فيهن العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام ، لا يصرفن إلى الباطل ولا يحرفن عن الحق . وقال آخرون : معنى المحكم : ما أحكم الله فيه من آي القرآن وقصص الأمم ورسلهم الذين أرسلوا إليهم ، ففصله ببيان ذلك لمحمد وأمته . والمتشابه : هو ما اشتبهت الألفاظ به من قصصهم عند التكرير في السور فقصة باتفاق الألفاظ واختلافه المعاني ، وقصة باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد وقرأ :
الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
قال . وذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في أربع وعشرين آية منها ، وحديث نوح في أربع وعشرين آية منها . ثم قال :
تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ
ثم ذكر :
وَإِلى عادٍ
فقرأ حتى بلغ :
وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ
ثم مضى ثم ذكر صالحا وإبراهيم ولوطا وشعيبا ، وفرغ من ذلك . وهذا يقين ، ذلك يقين أحكمت آياته ثم فصلت . قال : والمتشابه ذكر موسى في أمكنة كثيرة ، وهو متشابه ، وهو كله معنى واحد ومتشابه :
فَاسْلُكْ فِيها
احْمِلْ فِيها
اسْلُكْ يَدَكَ
أَدْخِلْ يَدَكَ
حَيَّةٌ تَسْعى
ثُعْبانٌ مُبِينٌ
قال . ثم ذكر هودا في عشر آيات منها ، وصالحا في ثماني آيات منها وإبراهيم في ثماني آيات أخرى ، ولوطا في ثماني آيات منها ، وشعيبا في ثلاث عشرة آية ، وموسى في أربع آيات ، كل هذا يقضي بين الأنبياء وبين قومهم في هذه السورة ، فانتهى ذلك إلى مائة آية من سورة هود ، ثم قال :
ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ
وقال في المتشابه من القرآن : من يرد الله به البلاء والضلالة ، يقول : ما شأن هذا لا يكون هكذا ، وما شان هذا لا يكون هكذا ؟ وقال آخرون : بل المحكم من آي القرآن :
ما عرف العلماء تأويله ، وفهموا معناه وتفسيره ؛ والمتشابه : ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما أستأثر الله بعلمه دون خلقه ، وذلك نحو الخبر عن وقت مخرج عيسى ابن مريم ، ووقت طلوع الشمس من مغربها ، وقيام الساعة ، وفناء الدنيا ، وما أشبه ذلك ، فإن ذلك لا يعلمه أحد . وقالوا : إنما سمى الله من آي الكتاب المتشابه الحروف المقطعة التي في أوائل بعض سور القران من نحو ألم ، والمص ، والمر ، والر ، وما أشبه ذلك ، لأنهن متشابهات في الألفاظ ، وموافقات حروف حساب الجمل . وكان قوم من اليهود على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم طمعوا أن يدركوا من قبلها معرفة مدة الإسلام وأهله ، ويعلموا نهاية أجل محمد وأمته ، فأكذب الله أحدوثتهم بذلك ، وأعلمهم أن ما ابتغوا علمه من ذلك من قبل هذه الحروف المتشابهة لا يدركونه ولا من قبل غيرها ، وأن ذلك لا يعلمه إلا الله . وهذا قول ذكر عن جابر بن عبد الله بن رباب أن هذه الآية نزلت فيه ، وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه وعن غيره ممن قال نحو مقالته في تأويل ذلك في تفسير قوله :
ألم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ
وهذا القول الذي ذكرناه عن جابر بن عبد الله أشبه بتأويل الآية ، وذلك أن جميع ما أنزل الله عز وجل من آي القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنما أنزله عليه بيانا له ولأمته وهدى للعالمين ، وغير جائز أن يكون فيه ما لا حاجة بهم إليه ، ولا أن يكون فيه ما بهم إليه الحاجة ، ثم لا يكون لهم إلى علم تأويله سبيل . فإذا كان ذلك كذلك ، فكل ما فيه لخلقه إليه الحاجة ، وإن كان في بعضه ما بهم عن بعض معانيه الغنى ، وإن اضطرته الحاجة إليه في معان كثيرة ، وذلك كقول الله عز وجل :
يَوْمَ يَأْتِي