أربعين يوما ، فإذا بلغ أن يخلق بعث الله ملكا يصورها ، فيأتي الملك بتراب بين أصبعيه ، فيخلطه في المضغة ثم يعجنه بها ثم يصورها كما يؤمر ، فيقول : أذكر أو أنثى ، أشقي أو سعيد ، وما رزقه ، وما عمره ، وما أثره ، وما مصائبه ؟
فيقول الله ، ويكتب الملك . فإذا مات ذلك الجسد ، دفن حيث أخذ ذلك التراب . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله :
هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ
قادر والله ربنا أن يصور عباده في الأرحام كيف يشاء من ذكر أو أنثى ، أو أسود أو أحمر ، تام خلقه وغير تام . القول في تأويل قوله تعالى :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
وهذا القول تنزيه من الله تعالى ذكره نفسه أن يكون له في ربوبيته ند أو مثل أو أن تجوز الألوهة لغيره ، وتكذيب منه للذين قالوا في عيسى ما قالوا من وفد نجران الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسائر من كان على مثل الذي كانوا عليه من قولهم في عيسى ، ولجميع من ادعى مع الله معبودا ، أو أقر بربوبية غيره . ثم أخبر جل ثناؤه خلقه بصفته وعيدا منه لمن عبد غيره أو أشرك في عبادته أحدا سواه ، فقال :
هُوَ الْعَزِيزُ
الذي لا ينصر من أراد الانتقام منه أحد ، ولا ينجيه منه وأل ولا لجا ، وذلك لعزته التي يذل لها كل مخلوق ، ويخضع لها كل موجود . ثم أعلمهم أنه الحكيم في تدبيره ، وإعذاره إلى خلقه ، ومتابعة حججه عليهم ، ليهلك من هلك منهم عن بينة ، ويحيا من حي عن بينة . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير ، قال : ثم قال : يعني الرب عز وجل إنزاها لنفسه ، وتوحيدا لها مما جعلوا معه :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
قال : العزيز في نصرته ممن كفر به إذا شاء ، والحكيم في عذره وحجته إلى عباده . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
يقول : عزيز في نقمته ، حكيم في أمره . القول في تأويل قوله تعالى :
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ
يعني بقوله جل ثناؤه :
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ
أن الله الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ،
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ
يعني بالكتاب : القرآن . وقد أتينا على البيان فيما مضى عن السبب الذي من أجله سمي القرآن كتابا بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وأما قوله :
مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ
فإنه يعني من الكتاب آيات ، يعني بالآيات آيات القرآن . وأما المحكمات : فإنهن اللواتي قد أحكمن بالبيان والتفصيل ، وأثبتت حججهن وأدلتهن على ما جعلن أدلة عليه من حلال وحرام ، ووعد ووعيد ، وثواب وعقاب ، وأمر وزجر ، وخبر ومثل ، وعظة وعبر ، وما أشبه ذلك . ثم وصف جل ثناؤه هؤلاء الآيات المحكمات بأنهن هن أم الكتاب ، يعني بذلك أنهن أصل الكتاب الذي فيه عماد الدين والفرائض والحدود ، وسائر ما بالخلق إليه الحاجة من أمر دينهم ، وما كلفوا من الفرائض في عاجلهم وآجلهم . وإنما سماهن أم الكتاب ، لأنهن معظم الكتاب ، وموضع مفزع أهله عند الحاجة إليه ، وكذلك تفعل العرب ، تسمي الجامع معظم الشيء أما له ، فتسمي راية القوم التي تجمعه في العساكر أمهم ، والمدبر معظم أمر القرية والبلدة أمها . وقد بينا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته . ووحد أم الكتاب ، ولم يجمع فيقول : هن أمهات الكتاب ، وقد قال هن لأنه أراد جميع الآيات المحكمات أم الكتاب ، لا أن كل آية منهن أم الكتاب ، ولو كان معنى ذلك أن كل آية منهن أم الكتاب ، لكان لا شك قد قيل : هن أمهات الكتاب . ونطير قول الله عز وجل :
هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ
على التأويل الذي قلنا في توحيد الأم وهي خبر لي " هن " قوله تعالى ذكره :
وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً
ولم يقل آيتين ، لأن معناه : وجعلنا جميعهما آية ، إذ كان المعنى واحدا فيما حملا فيه للخلق عبرة . ولو كان مراده الخبر عن