تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
كل واحد منهما على انفراده ، بأنه جعل للخلق عبرة ، لقيل : وجعلنا ابن مريم وأمه آيتين ؛ لأنه قد كان في كل واحد منهما لهم عبرة . وذلك أن مريم ولدت من غير رجل ، ونطق ابنها فتكلم في المهد صبيا ، فكان في كل واحد منهما للناس آية . وقد قال بعض نحويي البصرة : إنما قيل :
هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ
ولم يقل : " هن أمهات الكتاب " على وجه الحكاية ، كما يقول الرجل : ما لي أنصار ، فتقولا : أنا أنصارك ، أو ما لي نظير ، فتقول : نحن نظيرك . قال : وهو شبيه ودعني من تمرتان " ، وأنشد لرجل من فقعس :
تعرضت لي بمكان حل * تعرض المهرة في الطول
تعرضا لم تأل عن فتلا لي
حل أي يحل به ، على الحكاية ، لأنه كان منصوبا قبل ذلك ، كما يقول : نودي : الصلاة الصلاة ، يحكي قول القائل : الصلاة الصلاة وقال : قال بعضهم : إنما هي أن قتلا لي ، ولكنه جعله " عن " لأن أن في لغته تجعل موضعها " عن " والنصب على الأمر ، كأنك قلت : ضربا لزيد . وهذا قول لا معنى له ، لأن كل هذه الشواهد التي استشهد بها ، لا شك أنهن حكايات حالتهن بما حكى عن قول غيره وألفاظه التي نطق بهن ، وأن معلوما أن الله جل ثناؤه لم يحك عن أحد قوله : أم الكتاب ، فيجوز أن يقال : أخرج ذلك مخرج الحكاية عمن قال ذلك كذلك . وأما قوله
وَأُخَرُ
فإنها جمع أخرى . ثم أختلف أهل العربية في العلة التي من أجلها لم يصرف " أخر " ، فقال بعضهم : لم يصرف آخر من أجل أنها نعت واحدتها أخرى ، كما لم تصرف جمع وكتع ، لأنهن نعوت . وقال آخرون : إنما لم تصرف الأخر لزيادة الياء التي في واحدتها ، وأن جمعها مبني على واحدها في ترك الصرف ، قالوا : وإنما ترك صرف أخرى ، كما ترك صرف حمراء وبيضاء في النكرة والمعرفة لزيادة المدة فيها والهمزة بالواو ، ثم افترق جمع حمراء وأخرى ، فبنى جمع أخرى على واحدته ، فقيل : فعل أخر ، فترك صرفها كما ترك صرف أخرى ، وبنى جمع حمراء وبيضاء على خلاف واحدته ، فصرف ، فقيل حمر وبيض . فلاختلاف حالتيهما في الجمع اختلف إعرابهما عندهم في الصرف ، ولاتفاق حالتيهما في الواحدة اتفقت حالتاهما فيها . وأما قوله :
مُتَشابِهاتٌ
فإن معناه : متشابهات في التلاوة ، مختلفات في المعنى ، كما قال جل ثناؤه :
وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً
يعني في المنظر : مختلفا في المطعم ، وكما قال مخبرا عمن أخبر عنه من بني إسرائيل أنه قال :
إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا
يعنون بذلك : تشابه علينا في الصفة ، وإن اختلفت أنواعه . فتأويل الكلام إذا : إن الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، هو الذي أنزل عليك يا محمد القرآن ، منه آيات محكمات بالبيان ، هن أصل الكتاب الذي عليه عمادك وعماد أمتك في الدين ، وإليه مفزعك ومفزعهم فيما افترضت عليك وعليهم من شرائع الإسلام ، وآيات أخر هن متشابهات في التلاوة ، مختلفات في المعاني . وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله :
مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ
وما المحكم من آي الكتاب ، وما المتشابه منه ؟ فقال بعضهم : المحكمات من آي القرآن : المعمول بهن ، وهن الناسخات ، أو المثبتات الأحكام ؛ والمتشابهات من آية : المتروك العمل بهن ، المنسوخات . ذكر من قال ذلك : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا العوام ، عمن حدثه ، عن ابن عباس في قوله :
مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ
قال : هي الثلاث الآيات التي هاهنا :
قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ
إلى ثلاث آيات ، والتي في بني إسرائيل :
وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا