بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً
فأعلم النبي صلى الله عليه وسلم أمته أن تلك الآية التي أخبر الله جل ثناؤه عباده أنها إذا جاءت لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ذلك ، هي طلوع الشمس من مغربها . فالذي كانت بالعباد إليه الحاجة من علم ذلك هو العلم منهم بوقت نفع التوبة بصفته بغير تحديده بعد بالسنين والشهور والأيام ، فقد بين الله ذلك لهم بدلالة الكتاب ، وأوضحه لهم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم مفسرا . والذي لا حاجة لهم إلى علمه منه هو العلم بمقدار المدة التي بين وقت نزول هذه الآية ووقت حدوث تلك الآية ، فإن ذلك مما لا حاجة بهم إلى علمه في دين ولا دنيا ، وذلك هو العلم الذي استأثر الله جل ثناؤه به دون خلقه ، فحجبه عنهم ، وذلك وما أشبهه هو المعنى الذي طلبت اليهود معرفته في مدة محمد صلى الله عليه وسلم وأمته من قبل قوله : ألم ، والمص ، والر ، والمر ، ونحو ذلك من الحروف المقطعة المتشابهات ، التي أخبر الله جل ثناؤه أنهم لا يدركون تأويل ذلك من قبله ، وأنه لا يعلم تأويله إلا الله . فإذا كان المتشابه هو ما وصفنا ، فكل ما عداه فمحكم ، لأنه لن يخلو من أن يكون محكما بأنه بمعنى واحد لا تأويل له غير تأويل واحد ، وقد استغني بسماعه عن بيان يبينه ، أو يكون محكما ، وإن كان ذا وجوه وتأويلات وتصرف في معان كثيرة ، فالدلالة على المعنى المراد منه إما من بيان الله تعالى ذكره عنه أو بيان رسوله صلى الله عليه وسلم لأمته ، ولن يذهب علم ذلك عن علماء الأمة لما قد بينا . القول في تأويل قوله تعالى :
هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ
قد أتينا على البيان عن تأويل ذلك بالدلالة الشاهدة على صحة ما قلنا فيه ، ونحن ذاكرو اختلاف أهل التأويل فيه . وذلك أنهم اختلفوا في تأويله ، فقال بعضهم : معنى قوله :
هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ
هن اللائي فيهن الفرائض والحدود والأحكام ، نحو قيلنا الذي قلنا فيه . ذكر من قال ذلك : حدثنا عمران بن موسى القزاز ، قال : ثنا عبد الوارث بن سعيد ، قال : ثنا إسحاق بن سويد ، عن يحيى بن يعمر أنه قال في هذه الآية :
مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ
قال يحيى : هن اللاتي فيهن الفرائض والحدود وعماد الدين ، وضرب لذلك مثلا فقال : أم القرى مكة ، وأم خراسان مرو ، وأم المسافرين الذين يجعلون إليه أمرهم ، ويعني بهم في سفرهم ، قال : فذاك أمهم . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله :
هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ
قال : هن جماع الكتاب . وقال آخرون : بل معني بذلك فواتح السور التي منها يستخرج القرآن .
ذكر من قال ذلك : حدثنا عمران بن موسى ، قال : ثنا عبد الوارث بن سعيد ، قال : ثنا إسحاق بن سويد ، عن أبي فاختة أنه قال في هذه الآية :
مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ
قال : أم الكتاب : فواتح السور ، منها يستخرج القرآن ؛
ألم ذلِكَ الْكِتابُ
منها استخرجت البقرة ، و
ألم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
منها استخرجت آل عمران .
القول في تأويل قوله تعالى :
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ
يعني بذلك جل ثناؤه : فأما الذين في قلوبهم ميل عن الحق ، وانحراف عنه . يقال منه : زاغ فلان عن الحق ، فهو يزيغ عنه زيغا وزيغانا وزيوغة وزيوغا ، وأزاغه الله : إذا أماله ، فهو يزيغه ، ومنه قوله جل ثناؤه :
رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا
لا تملها عن الحق
بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال :
ثنا سلمة ، قال : ثني ابن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير :
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ
أي ميل عن الهدى .
حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله :
فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ
قال : شك . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .