تكريره ، ليست في ذكره إياه وخبره عنه ابتداء . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ ، وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ
يعني بذلك جل ثناؤه : أن الذين جحدوا أعلام الله وأدلته على توحيده وألوهيته ، وأن عيسى عبد له واتخذوا المسيح إلها وربا ، أو أدعوه لله ولدا ،
لَهُمْ عَذابٌ
من الله
شَدِيدٌ
يوم القيامة ، والذين كفروا هم الذين جحدوا آيات الله . وآيات الله : أعلام الله وأدلته وحججه . وهذا القول من الله عز وجل ، ينبئ عن معنى قوله :
وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ
أنه معني به الفصل الذي هو حجة لأهل الحق على أهل الباطل لأنه عقب ذلك بقوله :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ
يعني : أن الذين جحدوا ذلك الفصل والفرقان الذي أنزله فرقا بين المحق والمبطل ،
لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ
وعيد من الله لمن عاند الحق بعد وضوحه له ، وخالف سبيل الهدى بعد قيام الحجة عليه . ثم أخبرهم أنه عزيز في سلطانه لا يمنعه مانع ممن أراد عذابه منهم ، ولا يحول بينه وبينه حائل ، ولا يستطيع أن يعانده فيه أحد ، وأنه ذو انتقام ممن جحد حججه وأدلته ، بعد ثبوتها عليها ، وبعد وضوحها له ومعرفته بها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ
أي أن الله منتقم ممن كفر بآياته بعد علمه بها ، ومعرفته بما جاء منه فيها . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ
القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ
يعني بذلك جل ثناؤه :
إن الله لا يخفى عليه شيء وهو في الأرض ولا شيء وهو في السماء . يقول : فيكف يخفى علي يا محمد ، وأنا علام جميع الأشياء ، ما يضاهى به هؤلاء الذين يجادلونك في آيات الله من نصارى جران في عيسى ابن مريم في مقالتهم التي يقولونها فيه ؟ كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير :
إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ
أي قد علم ما يريدون وما يكيدون وما يضاهون بقولهم في عيسى إذ جعلوه ربا وإلها ، وعندهم من علمه غير ذلك ، غرة بالله وكفرا به . القول في تأويل قوله تعالى :
هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ
يعني بذلك جل ثناؤه : الله الذي يصوركم فيجعلكم صورا أشباحا في أرحام أمهاتكم كيف شاء وأحب ، فيجعل هذا ذكرا وهذا أنثى ، وهذا أسود وهذا أحمر . يعرف عباده بذلك أن جميع من اشتملت عليه أرحام النساء ممن صوره وخلقه كيف شاء ، وأن عيسى ابن مريم ممن صوره في رحم أمه وخلقه فيها كيف شاء وأحب ، وأنه لو كان إلها لم يكن ممن اشتملت عليه رحم أمه ، لأن خلاق ما في الأرحام لا تكون الأرحام عليه مشتملة ، وإنما تشتمل على المخلوقين . كما : حدثني ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير :
هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ
قد كان عيسى ممن صور في الأرحام ، لا يدفعون ذلك ، ولا ينكرونه ، كما صور غيره من بني آدم ، فكيف يكون إلها وقد كان بذلك المنزل ؟ حدثنا المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع :
هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ
أي أنه صور عيسى في الرحم كيف شاء . وقال آخرون في ذلك ، ما : حدثنا به موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، عن أبي مالك ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قوله :
هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ
قال :
إذا وقعت النطفة في الأرحام ، طارت في الجسد أربعين يوما ، ثم تكون علقة أربعين يوما ، ثم تكون مضغة