تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
نختار منه ، وما العلة التي من أجلها اخترنا ما اخترنا من ذلك . فأما تأويل جميع الوجوه التي ذكرنا أن القراء قرأت بها فمتقارب ، ومعنى ذلك كله : القيم بحفظ كل شيء ورزقه وتدبيره وتصريفه فيما شاء وأحب من تغيير وتبديل وزيادة ونقص . كما : محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى بن ميمون ، قال : ثنا ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله جل ثناؤه :
الْحَيُّ الْقَيُّومُ
قال : القائم على كل شيء . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع :
الْقَيُّومُ
قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه . وقال آخرون : معنى ذلك القيام على مكانه ، ووجهوه إلى القيام الدائم الذي لا زوال معه ولا انتقال ، وأن الله عز وجل إنما نفى عن نفسه بوصفها بذلك التغير والتنقل من مكان إلى مكان وحدوث التبدل الذي يحدث في الآدميين وسائر خلقه غيرهم . ذكر من قال ذلك : حدثني ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن عمر بن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير :
الْقَيُّومُ
القائم على مكانه من سلطانه في خلقه لا يزول ، وقد زال عيسى في قولهم يعني في قول الأحبار الذين حاجوا النبي صلى الله عليه وسلم من أهل نجران في عيسى عن مكانه الذي كان به وذهب عنه إلى غيره . وأولى التأويلين بالصواب ، ما قاله مجاهد والربيع ، وأن ذلك وصف من الله تعالى ذكره نفسه بأنه القائم بأمر كل شيء في رزقه والدفع عنه ، وكلاءته وتدبيره وصرفه في قدرته ، من قول العرب : فلان قائم بأمر هذه البلدة ، يعنى بذلك : المتولي تدبير أمرها . فالقيوم إذ كان ذلك معناه " الفيعول " من قول القائل : الله يقوم بأمر خلقه ، وأصله القيووم ، غير أن الواو الأولى من القيوم لما سبقتها ياء ساكنة وهي متحركة قلبت ياء ، فجعلت هي والياء التي قبلها ياء مشددة ، لأن العرب كذلك تفعل بالواو المتحركة إذا تقدمتها ياء ساكنة . وأما القيام ، فإن أصله القيوام ، وهو الفيعال ، من قام يقوم ، سبقت الواو المتحركة من قيوام يا ساكنة ، فجعلتا جميعا ياء مشددة . ولو أن القيوم فعول ، كان القووم ، ولكنه الفيعول ، وكذلك القيام لو كان الفعال لكان القوام ، كما قيل : الصوام والقوام ، وكما قال جل ثناؤه :
كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ
ولكنه الفعال فقال : القيام . وأما القيم فهو الفيعل من قام يقوم ، سبقت الواو المتحركة ياء ساكنة فجعلتا ياء مشددة ، كما قيل : فلان سيد قومه ، من ساد يسود ، وهذا طعام جيد من جاد يجود ، وما أشبه ذلك . وإنما جاء ذلك بهذه الألفاظ لأنه قصد به قصد المبالغة في المدح ، فكان القيوم والقيام والقيم أبلغ في المدح من القائم . وإنما كان عمر رضي الله عنه يختار قراءته القيوم إن شاء الله " القيام " ، لأن ذلك الغالب على منطق أهل الحجاز في ذوات الثلاثة من الياء والواو ، فيقولون للرجل الصواغ : الصياغ ، ويقولون للرجل الكثير الدوران الديار . وقد قيل أن قول الله جل ثناؤه :
لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً
إنما هو " دوارا " " فعالا " من دار يدور ، ولكنها نزلت بلغة أهل الحجاز ، وأقرت كذلك في المصحف . القول في تأويل قوله تعالى :
نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ
يقول جل ثناؤه : يا محمد إن ربك ورب عيسى ورب كل شيء ، هو الرب الذي أنزل عليك
الْكِتابَ
يعني بالكتاب : القرآن .
بِالْحَقِّ
يعني بالصدق فيما اختلف فيه أهل التوراة والإنجيل ، وفيما خالفك فيه محاجوك من نصارى أهل نجران ، وسائر أهل الشرك غيرهم .
مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ
يعني بذلك القرآن ، أنه مصدق لما كان قبله من كتب الله التي أنزلها على أنبيائه ورسله ، ومحقق ما جاءت به رسل الله من عنده ، لأن منزل جميع ذلك واحد ، فلا يكون فيه اختلاف ، ولو كان من عند غيره كان فيه اختلاف كثير . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك :
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 110 | محمد بن جرير الطبري