تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
الله عليه وسلم ، فخاصموه في عيسى ابن مريم ، وقالوا له : من أبوه ؟ وقالوا على الله الكذب والبهتان ، لا إله إلا هو ، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا . فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : " ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه ؟ " قالوا : بلى . قال : " ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت ، وأن عيسى يأتي عليه الفناء ؟ " . قالوا : بلى . قال : " ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه ؟ " . قال : بلى . قال : " فهل يملك عيسى من ذلك شيئا ؟ " . قالوا : لا . قال : " أفلستم تعلمون أن الله عز وجل لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ؟ " . قالوا : بلى . قال : " فهل يعلم عيسى من ذلك شيئا إلا ما علم ؟ " قالوا : لا . قال : " فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء ، فهل تعلمون ذلك ؟ " . قالوا : بلى . قال : " ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث ؟ " . قالوا : بلى . قال : " ألستم تعلمون أن عيسى حملته امرأة كما تحمل المرأة ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها ، ثم غذي كما يغذى الصبي ، ثم كان يطعم الطعام ويشرب الشراب ويحدث الحدث ؟ " . قالوا : بلى . قال : " فكيف يكون هذا كما زعمتم ؟ " . قال : فعرفوا ثم أبوا إلا جحودا ، فأنزل الله عز وجل :
ألم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ
القول في تأويل قوله تعالى :
الْحَيُّ الْقَيُّومُ
اختلفت القراء في ذلك ، فقرأته قراء الأمصار :
الْحَيُّ الْقَيُّومُ
. وقرأ ذلك عمر بن الخطاب وابن مسعود فيما ذكر عنهما : " الحي القيوم " . وذكر عن علقمة بن قيس أنه كان يقرأ : " الحي القيم " . حدثنا بذلك أبو كريب ، قال : ثنا عثام بن علي ، قال : ثنا الأعمش ، عن إبراهيم ، عن أبي معمر ، قال : سمعت علقمة يقرأ : الحي القيوم " الحي القيم " قلت : أنت سمعته ؟ قال : لا أدري . حدثنا أبو هشام الرفاعي ، قال : ثنا وكيع ، قال : ثنا الأعمش ، عن إبراهيم ، عن أبي معمر ، عن علقمة ، مثله . وقد روي عن علقمة خلاف ذلك ، وهو ما : حدثنا أبو هشام ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثنا شيبان ، عن الأعمش ، عن أبي معمر ، عن علقمة أنه قرأ : الحي القيوم " الحي القيام " . والقراءة التي لا يجوز غيرها عندنا في ذلك ، ما جاءت به قراءة المسلمين نقلا مستفيضا عن غير تشاغر ولا تواطؤ وراثة ، وما كان مثبتا في مصاحفهم ، وذلك قراءة من قرا
الْحَيُّ الْقَيُّومُ
القول في تأويل قوله تعالى :
الْحَيُّ
اختلف أهل التأويل في معنى قوله :
الْحَيُّ
فقال بعضهم : معنى ذلك من الله تعالى ذكره : أنه وصف نفسه بالبقاء ، ونفى الموت الذي يجوز على من سواه من خلقه عنها . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن حميد قال : ثنا سلمة بن الفضل ، قال : ثني محمد بن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير :
الْحَيُّ
الذي لا يموت ، وقد مات عيسى وصلب في قولهم ، يعني في قول الأحبار الذين حاجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من نصارى أهل نجران . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله :
الْحَيُّ
قال : يقول : حي لا يموت . وقال آخرون : معنى
الْحَيُّ
الذي عناه الله عز وجل في هذه الآية ووصف به نفسه ، أنه المتيسر له تدبير كل ما أراد وشاء ، لا يمتنع عليه شيء أراده ، وأنه ليس كمن لا تدبير له من الآلهة والأنداد . وقال آخرون : معنى ذلك : أن له الحياة الدائمة التي لم تزل له صفة ، ولا تزال كذلك . وقالوا : إنما وصف نفسه بالحياة ، لأن له حياة كما وصفها بالعلم لأن لها علما ، وبالقدرة لأن لها قدرة . ومعنى ذلك عندي : أنه وصف نفسه بالحياة الدائمة التي لا فناء لها ولا انقطاع ، ونفى عنها ما هو حال بكل ذي حياة من خلقه ، من الفناء ، وانقطاع الحياة عند مجيء أجله ، فأخبر عباده أنه المستوجب على خلقه العبادة والألوهة ، والحي الذي لا يموت ، ولا يبيد كما يموت كل من اتخذ من دونه ربا ، ويبيد كل من ادعى من دونه إلها ، واحتج على خلقه بأن من كان يبيد فيزول ويموت فيفنى ، فلا يكون إلها يستوجب أن يعبد دون الإله الذي لا يبيد ولا يموت ، وأن الإله : هو الدائم الذي لا يموت ولا يبيد ولا يفنى ، وذلك الله الذي لا إله إلا هو . القول في تأويل قوله تعالى :
الْقَيُّومُ
قد ذكرنا اختلاف القراءة في ذلك والذي