تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
من سائر الخلق معناهم في الكفر بالله ، واتخاذ ما سوى الله ربا وإلها ومعبودا ، معمومون بالحجة التي حج الله تبارك وتعالى بها نزلت من هذه الآيات فيه ، ومحجوجون في الفرقان الذي فرق به لرسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبينهم . ذكر الرواية عمن ذكرنا قوله في نزول افتتاح هذه السورة أنه نزل في الذين وصفنا صفتهم من النصارى : حدثنا محمد بن حميد ، قال : ثنا سلمة بن الفضل ، قال : ثني محمد بن إسحاق ، عن محمد بن جعفر ، قال : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نجران ، ستون راكبا ، فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم ، في الأربعة عشر ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم : العاقب أمير القوم وذو رأيهم ، وصاحب مشورتهم والذي لا يصدرون إلا عن رأيه ، وأسمه عبد المسيح . والسيد ثمالهم ، وصاحب رحلهم ومجتمعهم ، واسمه الأيهم . وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل ، أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدراسهم . وكان أبو حارثة قد شرف فيهم ودرس كتبهم حتى حسن علمه في دينهم ، فكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه ومولوه وأخدموه ، وبنوا له الكنائس ، وبسطوا عليه الكرامات ، لما يبلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينه . قال ابن إسحاق قال محمد بن جعفر بن الزبير : قدموا على رسول الله صلى الله عليه المدينة ، فدخلوا عليه في مسجده رسول الله صلى الله عليه حين صلى العصر ، عليهم ثياب الحبرات جبب وأردية في بلحرث بن كعب . قال : يقول بعض من رآهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ : ما رأينا بعدهم وفدا مثلهم . وقد حانت صلاتهم ، فقاموا يصلون في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " دعوهم " فصلوا إلى المشرق . قال : وكانت تسمية الأربعة عشر منهم الذين يؤول إليهم أمرهم : العاقب وهو عبد المسيح ، والسيد وهو الأيهم ، وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل ، وأوس ، والحارث ، وزيد ، وقيس ، ويزيد ، ونبيه ، وخويلد بن عمرو ، وخالد ، وعبد الله ، ويحنس ؛ في ستين راكبا . فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو حارثة بن علقمة ، والعاقب عبد المسيح ، والأيهم السيد ، وهم من النصرانية على دين الملك مع اختلاف من أمرهم يقولون : هو الله ، ويقولون : هو ولد الله ، ويقولون : هو ثالث ثلاثة ، وكذلك قول النصرانية . فهم يحتجون في قولهم : هو الله ، بأنه كان يحيي الموتى ، ويبرئ الأسقام ، ويخبر بالغيوب ، ويخلق من الطين كهيئة الطير ، ثم ينفخ فيه فيكون طائرا ، وذلك كله بإذن الله ، ليجعله آية للناس . ويحتجون في قولهم : إنه ولد الله ، أنهم يقولون : لم يكن له أب يعلم ، وقد تكلم في المهد بشيء لم يصنعه أحد من ولد آدم من قبله . ويحتجون في قولهم : إنه ثالث ثلاثة ، بقول الله عز وجل : " فعلنا " و " أمرنا " و " خلقنا " و " قضينا " ، فيقولون : لو كان واحدا ما قال إلا " فعلت " و " أمرت " و " قضيت " و " خلقت " ، ولكنه هو وعيسى ومريم . ففي كل ذلك من قولهم قد نزل القرآن ، وذكر الله لنبيه صلى الله عليه وسلم فيه قولهم . فلما كلمه الحبران ، قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أسلما " قالا : قد أسلمنا . قال : " إنكما لم تسلما ، فأسلما " قالا : بلى قد أسلمنا قبلك . قال : " كذبتما ، يمنعكما من الإسلام دعاؤكما لله عز وجل ولدا ، وعبادتكما الصليب ، وأكلكما الخنزير " . قالا : فمن أبوه يا محمد ، فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما ، فلم يجبهما ، فأنزل الله في ذلك من قولهم ، واختلاف أمرهم كله ، صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها ، فقال :
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ
فافتتح السورة بتبرئة نفسه تبارك وتعالى مما قالوا ، وتوحيده إياها بالخلق والأمر ، لا شريك له فيه ، وردا عليهم ما ابتدعوا من الكفر ، وجعلوا معه من الأنداد ، واحتجاجا عليهم بقولهم في صاحبهم ، ليعرفهم بذلك ضلالتهم ، فقال :
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
أي ليس معه شريك في أمره . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع في قوله :
ألم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ
قال : إن النصارى أتوا رسول الله صلى