العذاب إنّما هي في الدنيا دون الآخرة فإنها تنتفي هناك بانتفاء موضوعها .
أقول : وهذا الاستدلال ضعيف ، فأولًا أنه مجرد استبعاد باقرار المستدل ولا عبرة به في المسائل العقلية النظرية . ثم إن الاستبعاد عن تأثير الطبيعة أو العلية أو العينية الذاتية غلط مخالف للعقل . وقد تقدم الفرق بين الدارين مفصلًا في الفصل ( 70 )
وثانياً : ادعاء نفى داع التعذيب عن موجود لا يتناهى وجوداً وعلماً وقدرةً وهو الحكيم العدل الرؤف ، من قبل انسان ضعيف عقلًا وعلماً وهو مسجون في أحاسيسه البعيدة عن الواقع ، نوع حماقة .
وثالثاً : نمنع الاستبعاد أيضاً ، لما تقدم منّا من عدم ترتب العقاب واستحقاقه على نفس المعاصي ، بل على العصيان العمدي والتمرّد والتجرىّ . واللّه سبحانه موجود غيرمتناه العظمة والكبرياء والأنعام والاحسان
« وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها »
إبراهيم : 34 فالتجرى عليه تعالى من مخلوق معاند أو مقصر وهو مستغرق في بحرنعمائه لا يستبعد العقل ايجابه للعذاب .
وأمّا اثباتاً فللآيات الدالة على دوام العذاب كما تقدم .
وامّا إذا قلنا باعتبارية العقاب وكونه مجعولًا بجعل الربّ الحكيم العادل ، فالأمر أوضح للآيات القرآنية المشار إليها ، فما ذكره محى الدين العربي « 1 » وصاحب الأسفار « 2 » وغيرهم ، لا وجه له .
ومنها : ما عن ابن العربي المذكور وحكيم السبزواري « 3 » ان كلمات الأهل والصاحب والأصحاب ومشتقاتها وكذا أهل اللّه وأهل القرآن تدلّ على علاقة خاصة بين المضاف والمضاف اليه ، فتكشف كلمة أصحاب النار وأصحاب العذاب عن وجود ألفة وعلاقة تحقق
هامش
( 1 ) - عن فصوص الحكم ، فص إسماعيل / 94 .
( 2 ) - الأسفار ، ج 9 ، ص 353 .
( 3 ) - الأسفار ، ج 9 ، ص 352 . طبع دار إحياء التراث الاسلامي بيروت .