تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعاد في ضوء الدين والعقل والعلم — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
جملة من الأيات والرويات . وجه الدلالة : أن نشأة الآخرة بعد لم تبرز حتى تتجسم الأعمال فيها ، بل لم يوجد أعمال جميع المكلّفين في هذه النشأة أيضاً ، فكيف وجدت الجنّة وجهنم فعلًا . ثم إن هذه الدعوى إن تمّت لتمّت في خصوص العقاب الأخروي . « 1 » وأمّا العقاب الدنيوي كما في الحدود فلا مسرح لها ، كما لا يخفى . ولعمري إن حديث التجسم بنحو العموم بحيث تكون الجنّة والنار وما فيهما مجسمة أعمالنا لامن مادة أخرى مخلوقة لله تعالى ، مقطوع البطلان بلحاظ دلالة القرآن . نعم ، لا مانع من الالتزام به في الجملة من جهة قوله تعالى :
« وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً »
الكهف : 49 بشهادة قوله :
« وَلا يَظْلِمُ »
وبعض آيات أخرى ، ومن جهة الروايات إن أوجبت وثوقنا سنداً ودلالةً . الأمر الثاني : في تصحيح العقاب به على تقدير تماميته ، فنقول : العمل الصادر من العبد إمّا علة تامّة لإفاضة الصورة من قبل اللَه تعالى ، بحيث لا يمكن التخلف عنه ، أم لا ، بل الإفاضة باختيار الواجب وإرادته ، وعلى كلا التقديرين فلحوق المجسم المذكور بالعامل إما ضروري لا يمكن انفكاكه عنه ، وإما ممكن وتابع لإرادة اللَه تعالى . هذه احتمالات أربعة ، أحدها باطل قطعاً ، وهو فرض أن العمل علة تامّة لإفاضة الصورة ، وكون لحوقها بالعامل ضرورياً . وجه البطلان : أن الشفاعة والتوبة والعفو الإلهى وأمثالها المتقدمّة في المباحث الماضية ، مما يسقط الذنوب بلا إشكال ، والاحتمال المذكور لا يجامع سقوط الذنب على الفرض ، فيكون باطلًا قطعاً . وأيضاً قد تقدم - في محله - أن الله فاعل مختار يمكنه الفعل والترك ، والمستفاد من الآيات الكثيرة أن العذاب والثواب بإرادة الله ومشيئته ، فبطلان هذا الاحتمال فليكن مفروغاً عنه . ( فافهم ) .
هامش
( 1 ) - بأن يدعى أنه جزاءً طبيعي لا وضعي .