العقاب ، بل لعل تجسمه لأجل تثبيت عمله عليه ليرى عيناً ، فيكون أوكد في اقناعه أو سروره أو انفعاله ، ولعل قوله تعالى :
« تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً »
آل عمران : 30 ناظر إلى ذلك ، أي من جهة انفعاله به ، فتأمّل .
وأما العقاب والثواب المحقّقان بالنار ودخول الجنّة ونحو هما ، فهما موجودان مستقلان مبائنان للعمل ، مستندان إلى إرادة الله تعالى جزاءً على عملهم ، بل يمكن أن يقال : إن الرؤية لا تستلزم التجسّم والتمثّل أبداً ؛ لما ينقل عن بعض الرياضيين ممّن قارب عصرنا من أن الأفعال والحركات محفوظة في محالّها ممكنة الرؤية في حد نفسها ، فلو قويت باصرة البشر أو حاز حاسّة سادسة لرآها بعينها ، فإنّ شرائط الرؤية في الأرض وبعض المجرات الأخرى ، لعلّها مختلفة .
وبالجملة لو لم نقل : إن المستفاد من هذه الآيات الكريمة حسب متفاهم العرف العام - وهم المخاطبون بالخطابات القرآنية - هو رؤية جزاء العمل ، لما دلّت على مقصودهم أيضاً ، كما عرفت ، ومنه يظهر الحال في قوله تعالى :
« لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا »
ق : 22 فإنه لا يدل على كون العمل عقاباً ، بل ولا على تجسم العمل ، والعمدة قوله :
« إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ »
الطور : 16 لكن قوله تعالى : « جزاء بما كانوا يعملون » الأحقاف : 16 ينافيه ، فلا يبقى مجال للاعتماد على ظهوره بناءً على عدم كون الأول أظهر وأقوى من الثاني . فافهم .
ثم إنّ هنا وجهين - آخرين يدلان على نفى عموم تجسّم المذكور .
الأول : ما في كثير من الآيات من استناد الثواب والعقاب إلى الله تعالى ، وأنّه هو المثيب والمعاقب ، وأما ما سبق من بعضهم من أنّ الاستناد المذكور إنّما هو لأجل إفاضة الصورة فهو خلاف متفاهم العرف ، الّا أن يقال إن استناد الشيء إلى الله تعالى وإلى غيره وهو علة قريبة ، غير ضائر إن ثبت تجسّم العمل .
الثاني : وجود الجنّة والنار فعلًا وقبل هذا ، بل لعله قبل وجود المكلّفين ، كما يستفاد من