تستلزم التجسّم والتمثّل أبداً ؛ لما ينقل عن بعض الرياضيين ممّن قارب عصرنا من أن الأفعال والحركات محفوظة في محالّها ممكنة الرؤية في حد نفسها ، فلو قويت باصرة البشر أو حاز حاسّة سادسة لرآها بعينها ، فإنّ شرائط الرؤية في الأرض وبعض المجرات الأخرى ، لعلّها مختلفة .
وبالجملة لو لم نقل : إن المستفاد من هذه الآيات الكريمة حسب متفاهم العرف العام - وهم المخاطبون بالخطابات القرآنية - هو رؤية جزاء العمل ، لما دلّت على مقصودهم أيضاً ، كما عرفت ، ومنه يظهر الحال في قوله تعالى :
« لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا »
( ق : 22 ) فإنه لا يدل على كون العمل عقاباً ، بل ولا على تجسم العمل ، والعمدة قوله :
« إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ »
( الطور : 16 ) لكن قوله تعالى :
« جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ »
( الأحقاف : 16 ) ينافيه ، فلا يبقى مجال للاعتماد على ظهوره بناءً على عدم كون الأول أظهر وأقوى من الثاني . فافهم .
ثم إنّ هنا وجهين - آخرين يدلان على نفى عموم تجسّم المذكور .
الأول : ما في كثير من الآيات من استناد الثواب والعقاب إلى الله تعالى ، وأنّه هو المثيب والمعاقب ، وأما ما سبق من بعضهم من أنّ الاستناد المذكور إنّما هو لأجل إفاضة الصورة فهو خلاف متفاهم العرف ، الّا أن يقال إن استناد الشيء إلى الله تعالى وإلى غيره وهو علة قريبة ، غير ضائر إن ثبت تجسّم العمل .
الثاني : وجود الجنّة والنار فعلًا وقبل هذا ، بل لعله قبل وجود المكلّفين ، كما يستفاد من جملة من الأيات والرويات .
وجه الدلالة : أن نشأة الآخرة بعد لم تبرز حتى تتجسم الأعمال فيها ، بل لم يوجد أعمال جميع المكلّفين في هذه النشأة أيضاً ، فكيف وجدت الجنّة وجهنم فعلًا .
ثم إن هذه الدعوى إن تمّت لتمّت في خصوص العقاب الأخروي . « 1 » وأمّا العقاب الدنيوي
هامش
( 1 ) - بأن يدعى أنه جزاءً طبيعي لا وضعي .