وصحيحة عبد الله بن سنان « 1 » قال : سألت أبا عبد الله ( ع ) عن أولاد المشركين يموتون قبل أن يبلغوا الحنث ؟ قال : كفار ، والله أعلم بما كانوا عاملين ، يدخلون مداخل آبائهم . وقال ( ع ) : « يؤجّج لهم ناراً فيقال لهم : ادخلوها ، فإن دخلوها كانت عليهم برداً وسلاماً ، وإن أبوا قال لهم الله عزّ وجلّ : هو ذا قد آمرتكم فعصيتموني ، فيأمر الله عزّ وجلّ بهم إلى النار » .
أقول : ومن الواضح أنّ عذاب من لم يكن مكلّفاً ولم تتمّ عليه الحجة ظلم ينافي عدله تعالى ، ولذا حمل الشيخ الصدوق ( قدس سره ) الروايات المذكورة على البرزخ ، حيث قال « 2 » : وأطفال المشركين والكفّار مع أبائهم في النار ؛ لا يصيبهم من حرّها ، لتكون الحجة أوكد عليهم ، متى أمروا يوم القيامة بدخول نارٍ تؤجّج لهم ، مع ضمان السلامة متى لم يثقوا به ، ولم يصدقوا وعده تعالى بشيء قد شاهدوا مثله .
لكنّه حمل بعيد بلا شاهد ، بل الرواية الأولى كالنصّ على خلافه ، فلا عبرة به .
وقال العلّامة المجلسي ( قدس سره ) « 3 » : والأظهر حملها على التقية ؛ لموافقتها لروايات المخالفين وأقوال أكثرهم .
قال النووي في شرح صحيح مسلم : اختلف العلماء في من مات من أطفال المشركين ، فمنهم من يقول : هم تبع لأبائهم في النار ، ومنهم من يتوقف فيهم ، والثالث - وهو الصحيح الذي ذهب إليه المحققون - أنّهم من أهل الجنة . انتهى كلامه .
أقول : قد تقدم في الجزء الأول « 4 » أنّ أكثرهم حكموا بخلود أطفال الكفار في النار ! لكنّ الحمل على التقية موقوف على صحة إسنادها ، وإلا فطرحها متعيّن . والرواية الأولى مرسلة ، ووهب أكذب البرية ، كما قال بعض الرجاليين . والرواية الثانية أيضاً مرسلة ، فالعمدة هي الثالثة ، إلّا أنّ ذيلها يفسّر صدرها ، فلا تنافي عدله تعالى ، كما لا يخفى .
لكنّ الظاهر من الفقيه والحدائق أنّ قوله ( ع ) : « يؤجج لهم ناراً . . . » إلى آخره ، رواية مرسلة مستقلّة ، لا أنّه من تتمة الصحيحة ، كما يظهر من البحار ( الطبعة الحديثة ) .
فالصحيح أن يقال : إنّ الروايات الدالة على تكليف الأطفال في القيامة ودخولهم في النار بعد مخالفتهم للأمر المتوجه إليهم ، تقيّد إطلاق هذه الصحيحة بصورة مخالفتم للتكليف الموجّه إليهم وعصيانه ، فالمستفاد من مجموع الروايات لا يكون منافياً للقواعد القطعية العقلية ،
هامش
( 1 ) - المصدر السابق / 295 .
( 2 ) - من لا يحضره الفقيه الطبعة الحديثة 3 / 318 .
( 3 ) - البحار 5 / 295 .
( 4 ) - / 55 .