ومع ذلك يأمر الناس بالطلب والسعي بقوله :
فَامْشُوا فِي مَناكِبِها
« 1 »
،
وقوله :
وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ
« 2 »
.
وسرّ ذلك : أنّ الله أبي إلّا أن يجري الأمور بأسبابها .
وأمّا ما تقدم عن أمير المؤمنين والصادق من تقسيم الرزق إلى الطالب والمطلوب فيمكن حمل الطالب منهما على بعض الشقوق التي ذكرنا سابقاً خروجها عن محلّ البحث ، أو على بعض الموارد تفضّلًا ، ونحو ذلك .
وبالجملة : الرواية دليل لنا ، لا له ، كما لا يخفى .
وأمّا ما ذكره بعضهم من نفي اشتراط السعي متمسّكاً بقوله تعالى :
وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ
« 3 » فهو خطأ ، فإنّ التوكّل لا ينافي الأسباب .
قال الصادق ( ع ) كما في رواية عمر بن سيف « 4 » : « لا تدع طلب الرزق من حلّه فإنّه عون لك على دينك ، وأعقل راحلتك وتوكّل » .
أقول : ومنه أخذ من قال : ( با توكّل زانوي أشتر ببند ) . هذا كلّه بالنظر إلى الروايات ، وأمّا بلحاظ حال العقلاء وسيرتهم فلا شك في تأثير السعي المذكور في حصول الرزق ، وإنّما طوّلنا المقام لأنّه ليس من المسائل العلمية الاعتقادية فقط ، بل له ارتباط مستقيم بالمجتمع الإسلامي وثقافتهم واقتصادهم .
الفائدة الخامسة : في السعي وزيادة الرزق
هل السعي يوجب زيادة الرزق بعد مدخليته في أصل حصوله ، أو لا ؟
قال صاحب لآلي الأخبار ( رحمه الله ) بعد كلامه السابق : ولو تنزّلنا عن ذلك وقلنا بوجوب السعي وطلب الرزق فلا ريب في أنّ المستفاد منها ( أي من الأخبار ) استفادة قطعية أنّه لا يتفاوت بتفاوت السعي له ، بل يكفى فيه مسمّاه في كلّ باب . . . إلى آخره .
أقول : الأمر بعكس ما ذكره يظهر لمن لاحظ بعض ما تقدم هنا وما لم ننقله من الروايات :
فعن الصادق ( ع ) : « إنّ الله قسّم الأرزاق بين عباده ، وأفضل فضلًا كبيراً لم يقسّمه بين أحد ،
هامش
( 1 ) - الملك 67 / 15 .
( 2 ) - الجمعة 62 / 15 .
( 3 ) - الطلاق 65 / 2 .
( 4 ) - الوسائل المطبوعة حديثاً بطهران 12 / 20 .