لا يوجد من لا يتمكن من الرزق الحلال طيلة حياته ، فتدبّر .
وأمّا الدليل على صحة قول العدلية فهو : أنّ الرزق من الحرام قبيح ، ولا القبيح لا يصدر عن الحكيم ، وأن الله مدح من أنفق من رزقه بقوله :
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
« 1 »
.
ومن المعلوم أنّه على الإنفاق من الحرام ، بل هو محرّم مذموم ، كما قال تعالى :
وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ
« 2 »
.
فيعلم أنّ الحرام ليس برزق .
أقول : هذا محصول بعض كلماتهم في المقام ، وهنا وجوه أخرى استدلّ بها كلّ على صحة قوله .
والحقّ الحريّ بالقبول أن يقال : إن كون الحرام رزقاً إمّا بمعنى تمكين الله تعالى الحي من التصرّف فيه وعدم منعه عنه تكويناً ، وإمّا بمعنى تقديره وكتابة حدود التصرّف الحرام في اللوح المحفوظ ، وإمّا بمعنى تحليله تشريعاً .
وإمّا بمعنى أنّه المؤثّر في تصرّف المنتفع بالحرام .
وإمّا بمعنى أنّه تعالى قدّر رزقه من الحرام ولم يجعل له سبيلًا إلى الحلال أصلًا ، ولا احتمال سادس هنا .
فنقول للأشعرية : إن أردتم الوجه الأول فلا شكّ لأحد في صحته ، بل هو محسوس .
وإن أردتم الوجه الثاني فهو أيضاً قطعيّ على ما تقدم في الجزء الأول من هذا الكتاب .
وإن أردتم الوجه الثالث فبطلانه قطعي ، بل حسّي ، كما سبق تفصيله في هذا الجزء .
وإن أردتم الوجه الرابع فهو مخالف للضرورة الدينية ، فإنّ الله حرّم التصرف في المال الحرام ، ولا يحتمل أن يتفوّه به مسلم .
وإن أردتم الوجه الخامس فهو أيضاً قطعيّ الفساد ، فإنّه مع قبح هذا التقدير يستلزم حلّية المحرّم المذكور وسقوط المنع الشرعي عنه ، ضرورة جواز أكل المحرّمات للمضطرّ شرعاً وعقلًا ، وهذا خلف .
وعلى الجملة : الرزق رزقان : رزق تكويني ، وهو كلّ ما يستمدّ به الحيوان أو غيره في بقائه وحفظ كيانه ، سواء كان محلّلًا أم محرماً . ورزق تشريعي ، وهو ما ينتفع به ولا يكون محرّماً وممنوعاً شرعاً .
هامش
( 1 ) - البقرة 2 / 3 .
( 2 ) - البقرة 2 / 267 .