القاعدة الحادية عشرة : في الرزق
وتوضيح المرام فيها ببيان فوائد :
الفائدة الأولى : في تعريف الرزق
الرزق - كما في جملة من الكتب اللغوية - : ما ينتفع به الحيوان . وعرّفه بعض متكلّمي الأصحاب ب - : ما صحّ الانتفاع به ولم يكن لأحد منعه منه . والظاهر أنّه مذهب جميع العدلية . وأمّا أتباع الأشعري فيعرّفونه ب - : كلّ ما ساقه الله إلى الحيّ فهو رزق له من الله ، حلالًا كان أم حراماً إذ لا يقبح منه تعالى شيء .
أقول : فالنزاع في المحرّم حيث يعدّه هؤلاء القوم رزقاً ، والعدلية لا تعدّه ، وحيث إنّ الحكم بالحسن والقبح العقليين ضروري ، فيكون كلام الأشاعرة باطلًا بالضرورة .
ثم إنّهم أوردوا على تعريف العدلية : بأنّه لو لم يكن الحرام رزقاً لم يكن المتغذّي طول عمره بالحرام مرزوقاً ، والتالي باطل ؛ لقوله تعالى :
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها
« 1 »
.
وأجاب العدلية أولًا بالنقض : بما لو مات حيوان قبل أن يتناول شيئاً محلّلًا ولا محرّماً فإنّه غير مرزوق وجداناً .
أقول : ولعلّه لأجل هذا المحذور عدل بعضهم عن الاستدلال بالآية إلى الإجماع « 2 » ، فيصحّ حينئذٍ أن يخصّص الإجماع بالمعمّر دون الحيّ ساعة مثلًا ، لكنّ دعوى الاجماع في أمثال هذه المقامات إن دلّت على شيء فإنّما تدلّ على قصور المدّعي وعجزه عن البحث العلمي .
وثانياً بالحلّ : بأنّ الرزق أعمّ من الغذاء ، ولا أقلّ من انتفاعه بالهواء والماء ونحوهما ، فلا يوجد من لا ينتفع بالمحلّل أصلًا .
وقال شيخنا البهائي ( قدس سره ) : إن المعتزلة لم يشترطوا الانتفاع بالفعل ، بل تمكّنه ، ومن الظاهر أنّه
هامش
( 1 ) - الأنعام 6 / 38
( 2 ) - لاحظ شرح المواقف 3 / 138 .