ولا نقول : إنّه يدخل جهنم ثم بعد حين من العذاب يخفّف عنه عوضاً له ، وكم فرق بين الصورتين ، والآيتان المباركتان لا تدلّان على نفي الصورة الأولى التي هي محلّ البحث ، فافهم .
الفصل الثالث : في أحكام العوض
وهي أمور :
1 - لا يجب دوام العوض ، لا في الدنيا ولا في العقبى ؛ لعدم دلالة العقل على ذلك قطعاً ، بل السيرة العقلائية قائمة على خلافه ، فما عن بعض المعتزلة من وجوب دوامه في الجنة مستدلّا بأمر ضعيف ، باطل .
2 - لا يجب تعيّن العوض في شيء خاص ، بل يصحّ بكلّ ما تحصل شهوة المستحق ، وهو ظاهر . نعم ، اعتبر التعيّن في الثواب ، وسيأتي بحثه في باب المعاد في الجزء الرابع إن شاء الله .
3 - لا يجب إشعار صاحبه بإيصاله إليه ، فإنّه منافع ، أو دفع مضارّ يستريح به المستحق ، ولا دخل للعلم فيه أصلًا ، وأمّا الثواب فقيل بوجوب الإشعار عليه تعالى ، وسيأتي بحثه في محلّه .
4 - يجب أن يكون العوض المستحق على الله تعالى زائداً على الألم زيادة تنتهى إلى حدّ الرضا من كلّ عاقل بذلك العوض مقابل ذلك الألم لو فعل به ؛ لأنّه لولا ذلك لزم الظلم ، وأمّا مع مثل العوض المذكور فكأن الألم لم يثبت ، وأمّا العوض المستحق على الغير فالواجب مساواته لما فعله الغير من الألم ، أو فوت المنفعة ، لأنّ الزائد على ما يستحق عليه ظلم على المؤلم المذكور . هكذا قالوا .
قلت : العوض إذا كان في مقابل الإيلام المسبّب من دفع الضرر وجلب النفع فلا بد من زيادته على الألم بمقدار لو عرض العوض والألم على المتألم المذكور لرضي بالألم المزبور ، وإلّا قبح الإيلام ، وأمّا إذا كان من جهة جريان العادة ونحوها فاعتبار الزيادة غير ظاهر ؛ إذ المصلحة المذكورة تمنع العبثية ، والعوض المساوي يمنع الظلم ، فتدبر .
5 - يصحّ إسقاطه ، خلافاً للمحقق الطوسي ( قدس سره ) ؛ لأنّه حق المستحق ، فله أن ينصرف عنه ، ويصحّ نقله إلى غيره من المكلفين . وربّما فصل بين العوض على الله تعالى وبين العوض على غيره ، فقيل بجواز الإسقاط في الثاني إذا استحلّ الظالم من المظلوم ، وبعدمه في الأول ؛ لعدم انتفاع الواجب تعالى به فيكون عبثاً .
قلت : اشتراط الاستحلال ضعيف ، بل يصحّ الإسقاط ولو ابتداءً ، وعدم انتفاع الله سبحانه به لا يضرّ إذا كان للمسقط غرض عال فيه .