تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
رابعها : أنّ العوض عليه تعالى إذا كان الحيوان مضطرّاً إلى الإيلام ، وعلى الحيوان إن لم يكن مضطرّاً إليه ، فإنّ مجرد التمكين لا يقتضي انتقال العوض إلى الممكن ، وإلّا وجب عوض القتل على صانع السيف ، بخلاف الإلجاء فإنّ الفعل يستند في الحقيقة إلى الملجئ . أقول : الصحيح عندي : أنّ العوض على الله تعالى إذا فرضنا الحيوانات فاقدة للعقل والشعور بين ما استدل للقول الأول ، وعلى نفس الحيوان المؤلم إذا فرضناها شاعرة مدركة قبح الإيلام في غير صورة الاضطرار ، فإنّ حال الحيوان حينئذٍ حال الإنسان العاقل العامد في إيلامه ، حيث إنّ العوض عليه لا على الله تعالى . وقد أشرنا سابقاً أنّ في القرآن والسنّة والعلم الحديث مؤيّدات كثيرة لشعورها وإدراكها ، غير أنّ مقداره وحدوده غير ثابتة ، فالأقوال المذكورة غير تامة ، وما لفّقوه في بيانها فاسد ، فإنّ الروايتين المذكورتين بعد تمامية دلالتهما تسقطان من ناحية ضعف السند . وتمكين غير الشاعر كالإلجاء دائماً ، وصانع السيف مكّن العاقل الشاعر فلا يرجع عوض القتل إليه . فإن قلت : معنى تعلق العوض بالحيوان المؤلم في فرض كونه عالماً هو انتقال ثوابه إلى المتألّم أو انتقال سيّئات المتألّم إليه ، وهذا غير متأتّ في المقام ؛ إذ لا دليل على دخول الحيوانات في النار ، ولا على استحقاقها للثواب . قلت : إذ سلّمنا عدم تكليفهم وانحصار العذاب بالنار لقلنا بأمر ثالث ، وهو الانتقام ، فينتقم المتألّم منه في ميدان الحساب ليتشقى قلبه ، فتأمل . فإنّ ذلك بعيد ، فلعلّ الله يعطى العوض بفضله . ويلحق بالحيوان غير الشاعر : المجنون والصبّي ونحوهما من غير المكلفين ، فإنّ عوض الألم إذا لم يكن بسوء اختيار المتألّم إنّما هو على الله ربّ العالمين .

الفصل الثاني : في كيفية إيصال العوض إلى المستحق

وفيه مقامان : المقام الأول : فيما إذا كان العوض على غير الله تعالى ، وحينئذٍ يجب على الله تعالى الانتصاف من الظالم للمظلوم عقلًا ونقلًا ، وفاقاً للمحقق الطوسي ( قدس سره ) . أمّا عقلًا فلأنّ الله تعالى مع كونه مدبّراً للنظام مكّن الظالم من الظلم على المظلوم ، فلو لم ينتصف له لضاع حقّه ، وهذا لا يلائم عدل الله سبحانه ، فما ذهب إليه جمع من عدم وجوبه عقلًا ضعيف ، واستدلالهم عليه عليل . وأمّا نقلًا فلأنّ الله وعد بالاستيعاض من الظالم للمظلوم ، والوفاء بالوعد واجب عليه ، وأنّه