تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية — صفحة 301

مساهمون:

ص٣٠١
3 - الدفاع ، فإنّ قتل من قصد قتل شخص بلا جهة مبرّرة حسن لا قبح فيه ، فضلًا عن جرحه وإيلامه ، بل هو واجب بمناط وجوب دفع الضرر فطرة . 4 - جريان سنّة الله تعالى وسريان عادته ، فإن سنّته لا تقبل التبديل والتحويل ، فإذا وقع صبّي في النار أو ألقاه ظالم فالله تعالى وإن كان قادراً على حفظه ، لكنّه يخلّي بينه وبين النار لتحرقه ويحرق قلب كل من يحب الصبي المظلوم ! فإنّه تعالى أجرى عادته على تأثير الأسباب في المسبّبات مهما كان شكل الواقعة وشأن النتيجة . ثم إنّ الأقسام الثلاثة المتقدمة مشتركة في حق الخالق والمخلوق ، فإنّه كما يحسن لله تعالى أن يؤلم عبداً انتقاماً منه على جريرته ، أو لأجل إيصال نفع أعظم من ألمه إليه أو دفع ضرر كذلك كأن يمرضه ليقعد في بيته ، ولا يقتل في السوق فيما إذا علم الله أنّه لو دخل السوق لقتل ، أو لأجل الدفاع عن عبد مظلوم ، كذلك يحسن لزيد - مثلًا - أن يؤلم بكراً انتقاماً أو دفاعاً عن نفسه ، أو لإيصال نفع كثير إليه ، أو دفع ضرر عنه . ولكنّ القسم الأخير مختصّ بالله تعالى ، ولا يجري في حقنا ؛ إذ لا شك في تقبيح من لا يخرج الصبي عن النار مع قدرته عليه ، ضرورة وجوب حفظ النفس المحترمة عن الهلاك . لا يقال : العقل كما يرى حسن حفظ الصبي - مثلًا - للمخلوق كذلك لله سبحانه ، ولا معنى للتبعيض . فإنّه يقال : نعم ، لكن هناك مصلحة أهمّ من حياة الطفل المذكور مثلًا . فهو حكيم مطلق يراعي أهم المصلحتين في صورة التزاحم . فالعقل وإن لم يحط بتلك المصلحة تفصيلًا لكنّه يذعن لها إجمالًا بعد ما اعترف بحكمة الله البالغة وعدالته الكاملة ، على أنّه يمكن أن نكشف بعض السرّ من جريان عادته بتأثير الأسباب في المسبّبات ، وهو : أنّ أهمّ الأمور عند الله تعالى رواج الديانة والشريعة بين الناس ؛ ليبلغوا أقصى سعاداتهم وكمالاتهم ، وقد تقدم أنّ الإنسان الذي جعل لأجله ما في الأرض وبناء السماء خلق للرحمة الموقوفة على العبادة . هذا من جهة . ومن جهة أخرى أنّه لا ريب في أنّ العبادة ورواج الديانة لا يتحققان إلّا بإرسال الرسل ، ولا يمكن معرفة الرسل إلّا بالمعجزات ، كما سيأتي بحثه - إن شاء الله - فيما بعد ، وليست المعجزة إلّا خرق العادات وبطلان تأثير الأسباب في المسبّبات العادية ، أو تأثير أسباب خفية أقوى غير مألوفة للناس في المسبّبات ، فلو أبطل الله تعالى تأثير النار لحفظ صبيّ ، وتأثير الجوع والعطش لبقاء كبير ، وتأثير الهدم والخرق والغرق لصحة زيد وراحة بكر - مثلًا - في كل زمان ومكان ، لأصبحت الأفعال الخارقة أموراً عادية لا تتوجه إليها الأنظار أبداً ، بل يصير كل