وفي رواية أخرى له ، عن الصادق ( ع ) أنّه قال : « حقيق على الله أن يدخل الضلّال الجنة » ، فقال زرارة : كيف ذلك جعلت فداك ؟ قال : « يموت الناطق ولا ينطق الصامت ، فيموت المرء بينهما فيدخله الله الجنة » « 1 » .
أقول : فيفهم من هذه الروايات أن هؤلاء الطوائف لم يتمّ عليهم الحجة في الدنيا فيكلفون في الآخرة . وأمّا ما عن جماعة من المتكلمين ( كما في توحيد الصدوق ) من إنكار التكليف في الآخرة زاعمين أنّه لا يجوز أن يكون في دار الجزاء تكليف . فهو واضح السقوط ، إذ التكليف المذكور في ميدان الحساب ، لا في الجنة أو النار ، ولا دليل على نفي مثل هذا التكليف هناك من العقل والنقل ، فطرح الروايات أو تأويلها لأجل ذلك ، كما صرح به بعض الأصحاب خارج عن منهاج الصواب .
تذييل :
استدل المحقق الطوسي ( قدس سره ) في تجريده على انقطاع التكليف بعد الإجماع بأن إيصال الثواب إلى المكلف غير ممكن في صورة استمرار التكليف المستلزم للمشقة ؛ لاستدعاء الثواب الخلوص عن المشقة ، ولا يمكن الجمع بينهما .
أقول : لا شك في انقطاع هذه التكاليف الفعلية بالموت عقلًا ، وأمّا أنّه لا تكليف بعده على وجه عام ، فهذا لا دليل عليه من العقل والنقل ، بل قد عرفت دلالة الروايات على تحققه في الآخرة لبعض الأشخاص .
وأمّا ما أفاده من تنافي التكليف للثواب ففيه : أنّ الكلفة والمشقة غي معتبرة في صدق التكليف الشرعي ، كما أسلفنا بحثه سابقاً ، فيمكن أن يكون أهل الجنة مكلفين ببعض الأذكار مثلًا ، ويزيد بامتثاله درجاتهم ، وهذا الاحتمال لا دافع له .
قال شيخنا الأقدم المفيد ( قدس سره ) في أوائل المقالات « 2 » : أقول : إنّ أهل الآخرة صنفان : فصنف منهم في الجنة ، وهم فيها مأمورون بما يؤثرون ، ويخفّ على طباعهم ، ويميلون إليه ولا يثقل عليهم من شكر المنعم سبحانه وتعظيمه وحمده على تفضّله عليهم وإحسانه إليهم ، وما أشبه ذلك من الأفعال .
وليس الأمر لهم بما وصفناه إذا كانت الحال فيه ما ذكرناه تكليفاً ؛ لأنّ التكليف إنّما هو إلزام ما يثقل على الطباع ، ويلحق بفعله المشاقّ ، والصنف الآخر في النار ، وهم من العذاب وكلفه
هامش
( 1 ) - البحار 5 / 290 .
( 2 ) - / 68 .