ومشاقّه وآلامه على ما لا يحصى من أضعافه التكليف للأعمال ، وليس يتعرّون من الأمر والنهي بعقولهم حسب ما شرحناه ، ثم نسبه إلى جمهور المتكلّمين من أهل بغداد أيضاً ، ونقل الخلاف فيه عن البصريّين منهم . ونقل الطبرسي في مجمع البيان في تفسير سورة الرعد : أنّ النجّار وجماعة قالوا بتكليف أهل الآخرة .
وانطلاقاً من جميع ما تقدم منّا يتضح أنّ التكليف ليس بواجب على الله تعالى عقلًا .
والصحيح أن يقال : إنّ الغاية من خلق الإنسان - مثلًا - هي الرحمة الرحيمية الموقوفة على التكليف شرعاً ، كما فصّلناها في القاعدة الرابعة ، وعليه يجب عليه تعالى تكليفهم لئلّا يلزم نقض الغرض القبيح عقلًا ، وأمّا عدم وصوله للجاهل القاصر وغيره فلا محذور فيه ؛ لجواز التخصيص في الأدلة النقلية .
فوجوب التكليف ليس من العقليات الصرفة كما قالوه ، بل من غير المستقلة ، ضرورة عدم حكم العقل بقبح ترك التكليف إذا لم يخبر الشرع عن كونه غاية وغرضاً من إيجاد الانسان ووسيلة إلى الرحمة الرحيمية .
ويدل على وجوبه أيضاً قوله تعالى :
وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ
« 1 » ، فإنّ كلمة « على » ظاهرة في الوجوب ، كما في قوله :
لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ
« 2 »
.
وكذا يدل عليه قوله تعالى :
إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى
وهاتان الآيتان شاهدتان على بطلان مقالة من ينكر الوجوب على الله تعالى ، فافهم .
وأمّا قوله تعالى :
قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً . . .
إلى آخره ، فهو وإن كان ظاهراً في عدم لزوم بيان الهدى لمكان كلمة « إن » الشرطية ، لكنّه لا مجال للاعتماد على الظهور المذكور بعد ما عرفت ، فيمكن حمله على إرادة إبهام الأمر للمخاطب ، لا على عدم لزوم التكليف واقعاً .
هامش
( 1 ) - النحل / .
( 2 ) - الحجّ / .